«استراتيجية تصفير الملفات» كان عنوان مقال نشر لي على صفحة الرأي في جريدة الاتحاد الإماراتية في 7 من ديسمبر 2019. حينها كنا على بعد أسابيع من دخول الرئيس بايدن البيت الأبيض بعد فوزه بالانتخاب الرئاسية.

حينها، ساد المنطقة جو من القلق الحذر من هذه الإدارة، وللأسف كان الجميع محقاً في تشاؤمه، وخصوصاً بعد تعهد الرئيس بأن يجعل من المملكة العربية السعودية دولة منبوذة، وتجميد صفقة مقاتلة الجيل الخامس من فئة 35-F لصالح الإمارات. والآن نحن مقبلون على 6 سنوات من حكم الديمقراطيين في حال اكتساحهم الكونغرس في الانتخابات النصفية في نوفمبر، ونجاح مرشحهم في الوصول للبيت الأبيض في 2028.

لذلك يستوجبنا هذا التحول المتوقع، إفراد مساحة استقراء مستقبلية في حال سيطر الديمقراطيين على غرفتي الكونغرس نتيجة للانتخابات الفصلية في نوفمبر، وأن يتولى رئيس ديمقراطي البيت الأبيض في عام 2028. مما يعني اجتماع السلطتين التشريعية والتنفيذية في يد حزب واحد، وأن واشنطن ستدخل مرحلة إعادة ترتيب واسعة لأولوياتها الوطنية. وفي مقدمة هذه الأولويات سيأتي الدين العام، بما يفرضه من ضغوط على الإنفاق الفيدرالي، إلى جانب الاقتصاد والرعاية الاجتماعية وإعادة بناء الثقة بالمؤسسات.

الشرق الأوسط قد يتراجع نسبياً بحسب الحسابات الأمريكية حينها، لكنه بالتأكيد سيفقد موقعه بوصفه ساحة مفتوحة للتدخل المباشر. فالرئيس الديمقراطي، المدعوم من كونغرس يشاركه التوجه السياسي، سيكون أكثر ميلاً إلى ضبط الالتزامات العسكرية، وتقليص كلفة الانتشار الخارجي، والاعتماد على العقوبات والشراكات الأمنية والوساطات الدبلوماسية. ولن يكون هذا انسحاباً أمريكياً كاملاً، بل انتقالاً من سياسة إدارة الأزمات بالحضور المباشر إلى سياسة إدارة التوازنات من مسافة أبعد.

في هذا السياق، ستسعى واشنطن إلى التخارج من الأزمة التي خلفتها حرب ترامب على إيران. والأرجح أن يتم ذلك عبر تسوية سياسية تدريجية، تحفظ للإدارة الجديدة هامش المناورة وتتيح لها خفض مستوى الانخراط، من دون الذهاب إلى مواجهة مفتوحة أو الاعتراف بفشل الاستراتيجية السابقة. وقد تستلهم الإدارة الديمقراطية نموذج الانسحاب من أفغانستان، أي إنهاء الدور العسكري المباشر، والإبقاء على أدوات الضغط والردع، ثم نقل العبء الأكبر من إدارة النتائج إلى القوى المحلية والإقليمية.

غير أن محاكاة النموذج الأفغاني في التعامل مع إيران ستكون محفوفة بمخاطر أكبر. فإيران ليست طرفاً محلياً محدود التأثير، بل دولة تمتلك مشروعاً إقليمياً وشبكة نفوذ ممتدة، فضلاً عن برنامجها النووي وقدراتها الصاروخية. ولذلك لا يمكن أن تقتصر أي مفاوضات مقبلة على الملف النووي، أو أن تُدار عبر تفاهمات ثنائية مغلقة. فالمطلوب إطار تفاوضي يشمل السلوك الإقليمي والصواريخ وآليات التحقق، مع حضور فعلي لدول الخليج، وفي مقدمتها السعودية والإمارات.

لكن جوهر الأزمة لا يرتبط بالسياسة الأمريكية وحدها. فالشرق الأوسط أخفق في إنتاج معادلة استقرار مستدامة، واكتفى بإدارة أزماته وتأجيل انفجاراتها. ومن هنا ينبغي أن يُفهم تصفير الملفات، ومنها الملف اليمني، باعتباره جزءاً من إعادة بناء النظام الإقليمي، لا مجرد تسويات مؤقتة.

إن وصول رئيس ديمقراطي إلى البيت الأبيض، بالتزامن مع سيطرة حزبه على الكونغرس، سيضع المنطقة أمام بيئة أمريكية أقل استعداداً لتحمل تعهدات سابقة. ولذلك فإن البديل لا يكون بانتظار عودة الالتزام القديم، بل ببناء ترتيبات أمنية وسياسية إقليمية تجعل الاستقرار نتاجاً لتوازنات مستدامة، لا نتيجة مؤقتة لتدخل أمريكي عابر.