في تطور عسكري لافت، قالت وكالة «شيبا إنتليجنس» إن القوات الحكومية اليمنية استخدمت للمرة الأولى طائرات مسيّرة هجومية بعيدة المدى من طراز «سكاي واسب» في غارات استهدفت مواقع تابعة لمليشيا الحوثي في المناطق الجبلية المحيطة بصنعاء.
وبحسب تقرير الوكالة، بدأت العملية قبل فجر الجمعة واستمرت خلال اليوم، واستهدفت مواقع يُعتقد أنها تضم أنظمة دفاع جوي ومستودعات أسلحة ومنشآت مرتبطة بالطائرات المسيّرة والصواريخ.
ولم تصدر الحكومة اليمنية أو الحوثيون بياناً رسمياً بشأن الغارات حتى وقت نشر التقرير، فيما أظهرت مقاطع مصورة طائرة مسيّرة تحلق فوق صنعاء خلال ساعات النهار، قبل أن يحدد محللو «شيبا إنتليجنس» هويتها على أنها «سكاي واسب».
ظهور المسيّرة فوق صنعاء
ويكتسب ظهور إحدى المسيّرات فوق صنعاء أهمية خاصة، بعدما تمكن سكان من تصويرها في وضح النهار، ما أتاح للوكالة تحليل شكلها وتحديدها باعتبارها طائرة هجومية بعيدة المدى أحادية الاتجاه.
وكانت «شيبا إنتليجنس» قد ربطت في تحقيقات سابقة طائرات «سكاي واسب» ببرنامج الطائرات المسيّرة الناشئ لدى القوات الحكومية اليمنية، كما ربطت طائرات سبق أن عرضتها وزارة الدفاع اليمنية باسمَي «عيبان» و«نقم» بهذه العائلة من المسيّرات.
وبحسب الوكالة، فإن تأكد استخدام «سكاي واسب» في العملية سيجعل ضربات الجمعة أول استخدام قتالي موثق لهذه الطائرة من جانب القوات الحكومية اليمنية.
أهداف عسكرية ذات قيمة
وتركزت الضربات، وفق المصدر العسكري الذي تحدث إلى «شيبا إنتليجنس»، على أهداف في المناطق الجبلية المحيطة بصنعاء، بينها مواقع حول جبلي عيبان ونقم، وشملت أنظمة دفاع جوي ومستودعات أسلحة ومنشآت مرتبطة بقدرات الحوثيين في مجال الطائرات المسيّرة والصواريخ.
كما أثارت مشاهد تحليق الطائرة فوق العاصمة تساؤلات بشأن قدرة الدفاعات الجوية التابعة للحوثيين على اكتشاف المسيّرات واعتراضها في إحدى أكثر المناطق التي تتركز فيها مواقع الجماعة.
ويرى محلل في «شيبا إنتليجنس» أن مسار الطائرة ربما لم يكن مرتبطاً بالوصول إلى الهدف فقط، بل قد يكون أتاح للقوات الحكومية رصد رد فعل الدفاعات الجوية الحوثية، وجمع معلومات عن آليات الكشف والاعتراض ونقاط الضعف المحتملة فيها.
توسع استخدام المسيّرات الحكومية
ولا تأتي هذه العملية بمعزل عن تصاعد استخدام القوات الحكومية اليمنية للطائرات المسيّرة خلال الفترة الأخيرة.
وخلال أغسطس 2026، ظهرت المسيّرات الحكومية بصورة متكررة في مشاهد نشرها المركز الإعلامي للقوات المسلحة، وهي تتعقب آليات وعناصر حوثية وتستهدف تجمعات ومواقع في جبهات عدة، بينها مأرب وتعز وصعدة وحجة، إضافة إلى الساحل الغربي والضالع والبيضاء.
ولا تقتصر أهمية هذه العمليات على الأضرار المباشرة التي تعلنها القوات الحكومية بعد كل ضربة، بل تمتد إلى قدرتها على مراقبة تحركات الحوثيين واستهداف الآليات والتجمعات من مسافات بعيدة.
صعوبة متزايدة في التجنيد
وتواجه مليشيا الحوثي، بحسب مصادر، صعوبات متزايدة في استقطاب مجندين جدد، بالتزامن مع استمرار الخسائر البشرية في صفوفها.
وتشير المصادر إلى أن مشاهد استهداف الآليات والعناصر من الجو أصبحت حاضرة في أحاديث المجندين والوسطاء المحليين، وأن رؤية هذه العمليات بصورة مباشرة عبر التسجيلات تثير مخاوف لدى بعض الشباب الذين يجري استقطابهم للانضمام إلى صفوف الجماعة.
وتحولت المسيّرات، وفق هذا الطرح، من أداة قتالية إلى عامل نفسي أيضاً، إذ يواجه المجند الذي يدرك أن تحركاته أو الآلية التي يستقلها قد تكون مرصودة مستوى مختلفاً من المخاطر مقارنة بالقتال في جبهة لا يمتلك فيها الخصم قدرة مستمرة على المراقبة والاستهداف.
الفرار يضيف ضغطاً على الجماعة
ولا تتوقف الضغوط عند صعوبة التجنيد، إذ تواجه الجماعة أيضاً حالات فرار من الجبهات، ما يمثل خسارة مزدوجة لها.
فالمقاتل الفار يعني فقدان عنصر موجود بالفعل في الجبهة، إضافة إلى اضطرار الجماعة للبحث عن بديل لسد الفراغ. كما أن المقاتل العائد إلى منطقته يحمل معه تجربة مباشرة عن ظروف القتال، وقد ينقلها إلى أسرته وأقاربه وأبناء قبيلته.
وتقول المصادر إن بعض الفارين يتعرضون للملاحقة والضغط بعد عودتهم، في محاولة لمنع انتشار المعلومات بشأن ظروف الجبهات وحالات الفرار.
المسيّرات تغيّر طبيعة المواجهة
ويرى خبراء عسكريون أن الطائرات المسيّرة أصبحت من الأدوات المهمة التي تعتمد عليها القوات الحكومية، بعدما أتاحت تنفيذ مهام الاستطلاع والرصد والتعقب واستهداف الأهداف والوصول إلى مناطق خلف خطوط الخصم.
وتكمن أهمية هذا التطور في أنه يضيف قدرة جديدة إلى القوات الحكومية ويغير طبيعة العمليات في الجبهات، مع توسع نطاق الرصد والاستهداف الجوي لمواقع وتحركات الحوثيين.
ويظهر هذا التحول في الانتقال من نمط يعتمد بدرجة كبيرة على الدفاع والحفاظ على خطوط التماس، إلى استخدام المسيّرات في رصد الهدف وتعقبه ثم استهدافه في الوقت والمكان المناسبين.
استنزاف متحرك للحوثيين
ويقول مراقبون إن استمرار استخدام الطيران المسيّر بوتيرة متصاعدة قد يؤثر في طريقة إدارة الحوثيين لجبهاتهم وتحركاتهم، إذ قد تضطر الجماعة إلى تقليل تجمعات عناصرها وآلياتها، وتغيير مسارات الإمداد والتحرك، واتخاذ إجراءات إضافية لإخفاء مواقعها.
ومع اتساع نطاق الرصد والاستهداف، يمكن أن تتحول المواجهة إلى نمط من «الاستنزاف المتحرك»، حيث لا يقتصر الضغط على خطوط التماس، بل يمتد إلى تحركات العناصر والآليات ومواقع الإمداد خلفها.
ويبرز الاستنزاف البشري بشكل خاص، إذ يصعب تعويض بعض العناصر والقادة ذوي الخبرة بالسرعة ذاتها، فيما قد يؤدي تزامن الخسائر مع صعوبة التجنيد وحالات الفرار إلى زيادة الضغوط على قدرة الجماعة على الحفاظ على كثافتها البشرية وجاهزيتها القتالية.