ليست كل دعوة إلى الحوار سلاماً، كما أن الجلوس إلى الطاولة لا يعني دائماً أن الطريق صار آمناً ففي السياسة، قد تتحول الطاولة أحياناً إلى ستار تُخفى خلفه الوقائع، ويُطلب من المعتدى عليه أن يتجاوز جراحه قبل أن يجف أثرها ومن هنا جاءت كلمة البحرين واضحة: نحن لا نغلق باب السلام، لكننا لن نفتحه على حساب الحق.

إن موقف المملكة من الاجتماع الوزاري المقترح بشأن مضيق هرمز لا يُقرأ باعتباره امتناعاً عن الحوار، بل بوصفه دفاعاً عن المعنى الحقيقي للحوار؛ إذ لا يمكن بناء علاقة طبيعية قبل عودة العلاقات الدبلوماسية، ولا يمكن الانتقال إلى المستقبل بالقفز فوق اعتداءات استهدفت البنية التحتية والمنشآت المدنية والاقتصادية، وكاد استهداف خزان للأمونيا أن يحوّل الاعتداء إلى كارثة تتجاوز الحدود والجغرافيا.

لقد انتظرت البحرين طويلاً، وتحملت كثيراً، وطرقت أبواب الدبلوماسية بحكمة الدولة الواثقة، قبل أن تضع شروطها الأربعة للسلام: وقف الاعتداءات، وإقرار المسؤولية الدولية وجبر الضرر، واحترام سيادة الدول، وتسوية المسائل العالقة بالوسائل القانونية، وهذه ليست شروط خصومة، بل قواعد استقرار؛ لأن السلام الذي لا يحاسب المعتدي قد يؤجل الحرب، لكنه لا يمنع عودتها.

وتكتسب هذه الرؤية أهميتها حين يتعلق الأمر بمضيق هرمز، الذي تعبره يومياً قرابة 20 مليون برميل من النفط والمنتجات البترولية، بما يعادل نحو خُمس الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية، ولذلك فالمضيق ليس ممراً محلياً تحتكره دولة، بل شريان دولي يؤثر اضطرابه في أسعار الطاقة والنقل والغذاء داخل بيوت بعيدة آلاف الكيلومترات عن الخليج.

من هنا تمسكت البحرين باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، وبحق المرور العابر دون تمييز أو رسوم أو تصاريح، وبأن يكون أي ترتيب معتمداً من المنظمة البحرية الدولية، وبمشاركة دول مجلس التعاون مجتمعة، إنه انتقال ذكي من إدارة الخطر بالمجاملات إلى ضبطه بالقانون.

وهذا الموقف الخارجي امتداد لمسيرة داخلية بدأت بمحطات إصلاحية بارزة، من ميثاق العمل الوطني عام 200 ودستور 2002، إلى قانون العقوبات والتدابير البديلة عام 2017، ثم قانون العدالة الإصلاحية للأطفال عام 2021، وصولاً إلى تحديث القضاء والاستفادة من التقنيات الحديثة، وهي خطوات لم تُولد في الفراغ، بل جاءت بجهد مؤسسي طويل، في ظل رؤية جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ومتابعة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة.

وفي اليوم العالمي للقانون، تبدو رسالة البحرين أبعد من مناسبة عابرة: دولة القانون لا تفصل بين عدالة تحمي المواطن في الداخل وشرعية تحمي الوطن في الخارج، والمستقبل لن يكون للأكثر ضجيجاً، بل للدولة التي تحفظ الوقائع، وتوثّق الضرر، وتصبر دون أن تتنازل، ثم تجعل من القانون ذاكرةً للحق وسياجاً للسلام.

* إعلامية وباحثة أكاديمية