على مستوى العالم لم تعد السياحة الرياضية مجرد نشاط يرتبط ببطولة أو مباراة تستقطب الجماهير لفترة زمنية محدودة، بل أصبحت قطاعاً يحمل فرصاً اقتصادية وسياحية واستثمارية متنامية، ويمتد أثره إلى قطاعات متعددة بما يسهم في تنشيط الاقتصاد الوطني وتعزيز حركة الاستثمار والسياحة وترويج سمعة طيبة وصورة إيجابية مشرقة عن البلد وعلى مستوى العالم العربي يمكن للسياحة الرياضية أن تساهم في إعادة رسم خريطة الوجهات العربية إذا ما جرى التعامل معها باعتبارها صناعة متكاملة تتقاطع فيها الرياضة مع السياحة والإعلام والضيافة والثقافة والاستثمار، وتمتد إلى مشاريع سياحية ورياضية متخصصة مثل الفنادق الرياضية والمراكز ومستشفيات العلاج والتأهيل الرياضي وحتى المراكز الرياضية الترفيهية المتخصصة بما يجعل الرياضة عاملاً مستداماً في جذب الزوار وتنويع الاقتصاد، وليس مجرد حدث مؤقت ينتهي بانتهاء المباريات.

وهذا الطرح برز بوضوح للأمانة خلال فعاليات الملتقى العربي الثاني للسياحة الرياضية الذي حمل عنوان «آفاق جديدة للاستثمار والتكامل» وتحديداً الندوة الحوارية التي تشرفت بإدارتها بعنوان «السياحة الرياضية العربية من الملاعب إلى الوجهات السياحية» والتي تمت في مقر جمعية الصحفيين الإماراتية في دبي بتنظيم من الاتحاد العربي للسياحة الرياضية وبرعاية كريمة من معالي السيد أحمد بن محمد الجروان رئيس المكتب التنفيذي لملتقى الاتحادات النوعية العربية بجامعة الدول العربية والشيخ علي بن عبدالله المعلا شيخ الاستدامة والسيد كامل أبو علي رئيس الاتحاد العربي للسياحة الرياضية والسيدة فضيلة المعيني رئيسة مجلس إدارة جمعية الصحفيين الإماراتية وبحضور عدد من القيادات والإعلاميين والشخصيات المعنية بالسياحة والإعلام والرياضة والاستثمار.

من الحوارات اللافتة التي تمت خلال الجلسة الحوارية كيف يمكننا في العالم العربي تحويل الأحداث الرياضية إلى استثمار سياحي واقتصادي وتنموي يقدم تجربة سياحية متكاملة ورائدة توصل السياحة العربية الرياضية إلى مستوى التنافسية في العالم فالنجاح الحقيقي للسياحة العربية الرياضية لا يمكن قياسه بمستوى نسب الإشغال الفندقي وزيادة حركة السفر خلال أيام الأحداث الرياضية من مباريات وفعاليات إنما في كيفية استثمار أثر البطولة الرياضية في جعل الزائر الحاضر لمباراة أو فعالية رياضية الاهتمام باكتشاف البلد الذي يزوره ومطالعة مختلف المعالم السياحية والآثار والثقافة والجوانب التراثية فيه وجعله سائحاً ذا ولاء سياحي لهذا البلد ويساهم في إنعاش قطاعات النقل والضيافة والمطاعم والتسوق والخدمات الترفيهية.

كان اللافت ضمن النقاش الحاصل بروز الحاجة إلى أهمية التعاون العربي السياحي فيما بين الدول العربية وإيجاد بناء سياحي اتحادي والالتزام كذلك بإعلام سياحي رياضي قادر على إبراز الوجهات السياحية للزوار المهتمين بقطاعات الرياضة في دولنا العربية وجذبهم في الاهتمام بالبلد ككل، وذلك يعني أن هناك حاجة لتوفير بيئة استثمارية تجعل السياحة الرياضية العربية ذات نشاط مستمر وفعال طويل الأمد لا بشكل موسمي وفي فترات البطولة الرياضية فقط.

هناك حقيقة يجب إدراكها فيما يخص تطوير السياحة الرياضية العربية وهو أننا في عصر الصورة والوسائط المتعددة ومحتويات الإعلام التفاعلي لذلك فالتركيز في الإعلام السياحي يجب أن يتجه نحو دعم إعلام القوة الناعمة والإعلام غير المباشر وترسيخ الصور الذهنية للوجهات السياحية الرياضية وصناعة محتويات بصرية وتفاعلية كونهم من الأدوات المؤثرة للغاية في التشويق للوجهات فكم من سياح اهتموا بزيارة بلد فقط لأنهم طالعوا فقط صورة أو مقاطع فيديو متداولة في وسائل التواصل الاجتماعي أو لأن هذا البلد قد تم تداول قصة طريفة أو جميلة عن مدينة فيه أو مكان ترفيهي أو معلم ثقافي.

وفي العالم العربي علينا أن نتجه نحو بناء منهجية تقوم على تحرير الزائر من المدرجات والملاعب الرياضية إلى الاهتمام بمطالعة قصص متكاملة عن المدينة والدولة تفتح شهيته السياحية للتجول فيها واكتشافها وتحويل اهتمامه من حضور الفعالية الرياضية ثم المغادرة إلى حضور الفعالية ومن ثم البقاء واكتشاف المدينة سياحياً وهذا يدخل أيضاً في التغطيات الرياضية المتطورة بإيقاع عصري جذاب بعيداً عن التغطيات التقليدية التي تنتهي بانتهاء المباراة، وهذا يكون من خلال ربط الرياضة بالهوية الثقافية والتراثية فالتحدي الذي يواجه الدول العربية اليوم لا يتعلق بغياب المقومات والإمكانيات السياحية فلدينا دول خليجية وعربية متكاملة من ناحية الخدمات الرياضية فيما يخص الملاعب والمنشآت والفنادق والوجهات التاريخية والطبيعة والخبرات التنظيمية والإعلامية، لكن التحدي يكمن في الإدارة والقيادة السياحية وكيفية جمع هذه العناصر جميعها ضمن استراتيجية متكاملة وشراكات عربية متعددة عابرة للقطاعات والدول، حتى تتحول كل بطولة خليجية وعربية من حدث مؤقت ينتهي سريعاً إلى محرك دائم للتنمية وعامل انتعاش للاقتصاد.

السياحية الرياضية العربية لو اهتممنا بها من الممكن أن تكون من المشاريع العربية الاستثمارية الرائدة على مستوى العالم لأن ما يميزنا في دولنا عنصر الأمن والأمان لذا فصناعة السياحة الرياضية يجب أن تكون من ضمن الخطط الاقتصادية لإيجاد تجارب سياحية مميزة تجعل الزائر يغادر الملعب، وهو يحمل قصة عن المدينة التي تمت فيها المباراة وثقافتها وتاريخها، وتترسخ لديه قناعات أن تجربة زيارتها تستحق أن تتكرر حتى لو كان لا يزورها من أجل حدث رياضي، كما أن الاستثمار السياحي الناجح اليوم يجب أن يتجه في افتتاح المراكز والأندية والمستشفيات الرياضية المتخصصة التي تعكس مدى ما يمتلكه البلد من مقومات تتعلق بالسياحية الرياضية ليكون لنا حضورنا على خارطة السياحة العالمية.