في أحد شوارع بكين، رفع طفل رأسه، فرأى صورة عالم فيزيائي تملأ شاشة ضخمة. توقف قليلًا، وتساءل: «هل أكون مثله يوماً؟»
تخيّلوا لو أن شوارعنا امتلأت بصور العلماء والمفكرين والمبدعين، إلى جانب الإعلانات الاستهلاكية.
حينها ترنو أعناق الأطفال لتلمح وجوهاً مبدعة، فيسألون آباءهم: «ماذا فعل هذا الرجل؟»
لتكون تلك اللحظة البسيطة بدايةً لحلمٍ عظيم.
وهكذا كانت كتب التاريخ تفعل بنا قديماً؛ تحكي سير أصحاب النهضة في العلم والأدب والفكر والفن، فنقرأ عنهم ونرسم صورة الإنسان الذي نريد أن نكونه.
مؤخراً، بدأت بعض المدن الصينية تعرض صور علماء بارزين على شاشاتها الرقمية، تقديرًا لإسهاماتهم في الزراعة والطب والتكنولوجيا والفضاء. وكأنها تقول للناس: هذه عقول صنعت فرقاً، فتعرفوا إليها.
فتحية للصين، حين تضع قاماتها الفكرية في الواجهة.
وهنا أتساءل: ماذا نضع نحن أمام عيون أبنائنا؟
في مدن كثيرة، تستقبل الجماهيرُ المشاهيرَ بالهتافات، وتستعين الجهات المنظمة بقوى الأمن لإدارة الحشود، بينما تمتلئ الشاشات بإعلانات الترفيه والوجبات السريعة. ويحظى المحتوى السطحي بمساحة البث الأوسع إعلاميًا، بينما يمر العالم والمفكر والكاتب وصاحب الإنجاز في خبر عابر، هذه المفارقة كوّنت لدى الشباب صورة تختصر النجاح في الشهرة وسرعة الوصول.
نحن نعيش زمناً أصبحت فيه المعلومة على بُعد ضغطة زر، مع أن تحويلها إلى معرفة يحتاج إلى بحث وقراءة وتأمل. وخلف كل إنجاز حقيقي ساعات من التجربة والفشل والتدريب والصبر.
في العقود الأخيرة من القرن الماضي، كانت مسابقات الشعر والرياضيات والثقافة والمعرفة حاضرة في المدارس والجامعات والبيوت. حيث يتنافس الأطفال والشباب ويكتشفون مواهبهم.
لسنا بحاجة لإلغاء الترفيه. كل ما نحتاجه أن نعيد ترتيب المشهد؛ أن نعطي للعقل والعلم مساحة تليق بهما، وأن نمنح أطفالنا نماذج ملهمة يقتدون بها، ويكبرون وهم يحلمون بتحقيق إنجازات مثلها.
نحتاج إلى استعادة هذه الروح بمواصفات عصرية، عبر مسابقات تجعل الكتاب والمعرفة مجالًا للمتعة والتنافس والتميز.
تبدأ النهضة من الإنسان، ومن الشيء الذي نضعه أمام عينيه، ومن النموذج الذي نقول له: انظر، هذا هو الطريق.
فالنهضة التي لا تغيّر ما يحلم به أطفالنا، قد تبني الشوارع، لكنها لن تبني المستقبل.