لم تكن زيارتي إلى المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية، وإهدائي إليها كتابي «سيكولوجية الفقد والحزن: نحو التكيف النفسي وبناء المعنى والنمو»، مجرد مناسبة لتقديم إصدار جديد، بل كانت تجربة إنسانية عميقة أتاحت لي التأمل في الصلة الوثيقة بين موضوع الكتاب ورسالة مؤسسة كرّست ربع قرن لخدمة الإنسان، ومساندة من أثقلهم الفقد، وفتح آفاق الأمل أمامهم.
وخلال لقائي بالقائم بأعمال الأمين العام للمؤسسة، المهندس إبراهيم دلهان الدوسري، استحضرت سؤالاً رافقني أثناء تأليف الكتاب: ماذا يحتاج الإنسان بعد فقد شخص عزيز كان جزءاً من عالمه، ومصدراً لأمانه، وركناً أساسياً في حياته؟
الفقد ليس حدثاً نفسياً عابراً، ولا يقتصر أثره على مشاعر الحزن والألم. وبالنسبة إلى الأرملة أو اليتيم تحديداً، قد يعيد الفقد تشكيل مختلف جوانب الحياة؛ بدءاً من الإحساس بالأمان والانتماء، ومروراً بالمسؤوليات والأدوار والظروف الاجتماعية والاقتصادية، ووصولاً إلى نظرة الإنسان إلى ذاته ومستقبله، وقدرته على إيجاد معنى جديد لحياته. فالفقد لا يعني خسارة شخص عزيز فحسب، بل قد يخلّف أسئلة ثقيلة، ومسؤوليات مفاجئة، ومخاوف من الغد، مع ضرورة الاستمرار رغم الحزن. ومن هنا وجدت نقطة التقاء واضحة بين موضوع كتابي ورسالة المؤسسة.
فعلى امتداد ربع قرن من العطاء، وبرعاية كريمة من قبل سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة ممثل جلالة الملك للأعمال الإنسانية وشؤون الشباب، رئيس مجلس أمناء المؤسسة، اضطلع هذا الصرح الإنساني بدور رائد في تقديم الرعاية الاجتماعية والتنموية الشاملة للأيتام والأرامل، وتوفير خدمات تستجيب لاحتياجاتهم المتعددة. وتشير إحصائياتها الرسمية إلى استفادة نحو 32423 يتيماً وأرملة من خدمات المؤسسة.
وبحسب التقرير السنوي لعام 2025، بلغ عدد الأيتام والأرامل المكفولين نحو 10857 مستفيداً، فيما بلغ عدد المكفولين منذ التأسيس 31794 مستفيداً. كما وفرت المؤسسة الحقيبة المدرسية لنحو 2458 يتيماً، ونفذت 180 برنامجاً وفعالية استفاد منها 6878 مستفيداً. ودعمت 76 طالباً وطالبة ضمن برنامج البعثات والمنح الدراسية، وقدمت برامج إرشادية أسرية متخصصة استفاد منها 490 مستفيداً.
ولا تكشف هذه الأرقام عن حجم العطاء وتنوعه فحسب، بل تعكس أمراً يستحق الثناء والإشادة وهو الفلسفة التي تقوم عليها خدمات المؤسسة، والتي تركز على الانتقال من تقديم الرعاية إلى بناء الإنسان وتمكينه، ومن تلبية الاحتياجات الآنية إلى تعزيز الاستقلال والاستدامة. ويتحقق ذلك من خلال تشجيع الأيتام والأرامل، وصقل قدراتهم، وتنمية طاقاتهم الإنتاجية ومواهبهم الإبداعية، بما يمكّنهم من الانتقال من إطار الرعاية إلى فضاء التمكين.
ويحمل هذا التحول بُعدًا نفسيًا وإنسانيًا عميقًا؛ فالإنسان بعد الفقد يحتاج أولًا إلى من يسانده، وإلى بيئة تحتوي حزنه وتحميه في لحظات ضعفه وتمنحه الأمان. لكنه يحتاج، مع مرور الوقت، إلى استعادة شعوره بالقدرة والكفاءة والاستقلال، وإلى إدراك أن ما فقده، مهما كان عزيزًا، لا يلغي ما يمتلكه من إمكانات تؤهله لمواصلة الحياة.
فالمساندة الحقيقية لا تقتصر على أن نقول للإنسان: «نحن إلى جانبك»، بل تمتد إلى مساعدته على الوقوف من جديد، وتزويده بالأدوات اللازمة لمواجهة المستقبل بثقة واقتدار. وعندئذ يتحول الفقد إلى معنى، والألم إلى أمل، والرعاية إلى بناء الإنسان وتمكينه، ويصبح الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الحقيقي.
* أكاديمية وباحثة