في اليوم الدولي للسلام، الذي يحتفي به العالم في الحادي والعشرين من سبتمبر من كل عام، تتجدد الحاجة إلى استحضار التجارب التي جعلت من السلام نهجاً يتجاوز حدود الشعارات إلى ثقافة راسخة وممارسات ومبادرات تحمل رسائل إنسانية إلى العالم. ومن بين التجارب التي تستحق التوقف عندها تبرز مملكة البحرين، التي ارتبط نهجها الوطني خلال العقود الماضية بقيم الحوار والتسامح والتعايش واحترام التنوع، ضمن رؤية ملكية سامية تنطلق من الإيمان بأن الإنسان هو محور الاستقرار، وأن بناء المجتمعات الآمنة يبدأ باحترام الكرامة الإنسانية، وفتح مساحات التفاهم، وتعزيز التواصل بين مختلف الثقافات والأديان والمجتمعات.
وقد أرست رؤية حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، أساساً متيناً لهذا النهج، انطلاقاً من إيمان جلالته بأهمية التقارب بين الشعوب، واحترام الأديان والثقافات، ونبذ التعصب، وإعلاء لغة الحوار باعتبارها وسيلة لبناء عالم أكثر أمناً واستقراراً. وقد ترجمت هذه الرؤية إلى مبادرات ومشروعات ومؤسسات حملت رسالة البحرين إلى المحافل الدولية، وأكدت أن السلام يمكن أن يكون رسالة وطنية ذات امتداد إنساني عالمي.
ومن أبرز الشواهد الحديثة على هذا الامتداد اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة في 4 مارس 2025 القرار رقم A/RES/79/269، الذي أعلن الثامن والعشرين من يناير يوماً دولياً للتعايش السلمي، في مبادرة ارتبطت بجهود مملكة البحرين ودعم مركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح، وبمشاركة عدد من الدول في تقديم مشروع القرار. وقد منح اعتماد هذا اليوم مفهوم التعايش السلمي حضوراً أممياً، ورسخ أهمية الحوار والاحترام المتبادل والتفاهم بين الشعوب والأديان والثقافات.
وجاء الاحتفاء الأول باليوم الدولي للتعايش السلمي في الثامن والعشرين من يناير 2026 ليمنح هذه المبادرة محطة عملية جديدة، بعدما انتقلت من فكرة ومبادرة إلى مناسبة دولية تستحضرها المجتمعات والمؤسسات حول العالم. وقد شهدت مملكة البحرين احتفاءً بهذه المناسبة من خلال مركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح، بمشاركة مسؤولين ودبلوماسيين وممثلين عن الأمم المتحدة والمجتمع المدني وقيادات دينية، في تأكيد على أهمية الحوار والاحترام المتبادل والتفاهم بين مختلف الثقافات والمجتمعات.
وهنا تتضح أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه مملكة البحرين في تقديم نموذج يقوم على تحويل المبادئ إلى عمل مؤسسي، وعلى نقل ثقافة التعايش من الإطار المحلي إلى فضاء أوسع يخاطب الإنسانية بمختلف مكوناتها. وفي هذا المسار، يبرز مركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح بوصفه إحدى الأدوات المؤسسية التي تجسد الرؤية البحرينية وتمنحها حضوراً منظماً في الساحة الدولية، من خلال دعم الحوار والتفاهم وتعزيز القيم الإنسانية المشتركة. فالتعايش السلمي لا يقتصر على قبول الاختلاف، وإنما يقوم على بناء جسور حقيقية بين المختلفين، وإيجاد مساحات مشتركة للحوار والمعرفة والتعاون، بحيث يصبح التنوع الديني والثقافي والفكري مصدراً للتقارب، لا مدخلاً للانقسام.
وتتكامل هذه الرؤية مع جهود الحكومة بقيادة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، في ترسيخ الاستقرار ودعم التنمية وتعزيز بيئة تقوم على المسؤولية والشراكة والانفتاح. فالسلام يرتبط بالتنمية والاستقرار، والمجتمعات التي يشعر أفرادها بالأمن والكرامة، وتتوافر لهم فرص التعلم والعمل والإبداع، تكون أكثر قدرة على بناء مستقبلها بثقة، وأكثر استعدادًا للتعامل مع التحديات بروح من التعاون والمسؤولية.
وفي هذا السياق، يكتسب شعار اليوم الدولي للسلام لعام 2026، «الاستثمار في السلام: للجميع، وفي كل مكان، وكل يوم»، دلالة خاصة؛ إذ يضع السلام في إطار أوسع من مجرد غياب النزاعات، ليصبح أساساً للأمن والكرامة والفرص والتعاون في الحياة اليومية. وهو مفهوم يتقاطع مع أهمية الاستثمار المستمر في الإنسان، وفي التعليم، وفي الحوار، وفي بناء الثقة، وفي كل ما يعزز قدرة المجتمعات على التعامل مع الاختلافات والتحديات بروح من المسؤولية والتفاهم.
إن مفهوم السلام الذي تحمله مملكة البحرين يتجاوز غياب النزاعات إلى بناء الإنسان وتعزيز الثقة داخل المجتمع، وترسيخ ثقافة الحوار، واحترام الآخر، وتهيئة البيئة التي تمكن الأفراد والمجتمعات من النظر إلى المستقبل بأمل وثقة. ولذلك فإن الاستثمار في السلام هو في الوقت ذاته استثمار في التنمية والاستقرار والازدهار، خصوصاً في عالم تتشابك فيه الأزمات وتتداخل فيه التحديات، وتحتاج فيه الشعوب إلى مساحات أوسع للتعاون والتفاهم.
كما أن للسلطة التشريعية، ممثلة في الشعبة البرلمانية، حضوراً في دعم هذه الرسالة من خلال المشاركة في المحافل البرلمانية الدولية، وتعزيز التواصل مع البرلمانات والمؤسسات التشريعية، والتأكيد على أهمية الحوار والتعاون واحترام التنوع. فالدبلوماسية البرلمانية تمثل جسراً مهماً بين الشعوب، وتتيح تبادل الخبرات والتجارب وفتح قنوات للحوار، بما يعزز العلاقات بين الدول ويدعم الجهود الرامية إلى بناء التفاهم والسلام.
وتتضح خصوصية النهج البحريني في أن هذه الجهود لا تتحرك بصورة منفصلة، وإنما ضمن منظومة متكاملة تبدأ من رؤية ملكية تؤمن بالسلام والتعايش، وتجد ترجمتها في مؤسسات ومبادرات وطنية، وتدعمها جهود حكومية وتشريعية، ثم تمتد إلى المحافل الإقليمية والدولية. وهذه المنظومة تمنح الرسالة البحرينية استمراريتها، وتجعل حضور المملكة في مجال السلام والتعايش مرتبطاً بمسار متواصل من العمل والمبادرات.
وفي عالم تزداد فيه التحديات، تبرز أهمية الخطاب الذي يعيد الاعتبار للحوار باعتباره وسيلة للتقارب، ويؤكد أن الاختلاف بين البشر يمكن أن يكون مدخلاً للتعارف والتعاون، وأن احترام التنوع يمثل أساساً لبناء مجتمعات أكثر تماسكاً. ومن هنا تأتي أهمية المبادرات التي تركز على الوقاية من النزاعات، وتعزيز التواصل، ومعالجة أسباب التوتر، وإتاحة الفرص أمام مختلف الأطراف للاستماع إلى بعضها بعضًا وفهم وجهات النظر المتباينة.
ويكتسب اعتماد يوم دولي للتعايش السلمي أهمية تتجاوز رمزية المناسبة، لأنه يضع مفهوم التعايش ضمن أجندة الوعي العالمي، ويمنح الدول والمجتمعات والمؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية فرصة لتعزيز هذه الثقافة لدى الأجيال الجديدة. فالتعايش يبدأ من السلوك اليومي، ومن احترام الإنسان للإنسان، وقبول التنوع، والابتعاد عن خطاب الكراهية، وإعلاء لغة الحوار على لغة الإقصاء، وهي ممارسات تسهم في بناء مجتمعات أكثر قدرة على مواجهة التحديات وصناعة مستقبل أكثر استقراراً.
ومن موقع مملكة البحرين، فإن الاحتفاء باليوم الدولي للسلام يمثل مناسبة للتأكيد على أهمية مواصلة هذا النهج، والبناء على ما تحقق من مبادرات وصلت إلى المستوى الدولي. فالاعتراف الدولي بأي مبادرة وطنية يحمل في الوقت ذاته مسؤولية الاستمرار في تطوير الأفكار والمشروعات التي تخدم الإنسان، وتفتح مجالات جديدة للتعاون، وتقدم إسهاماً بحرينياً في الجهود الدولية الرامية إلى تعزيز السلام والتعايش.
وتؤكد مسيرة مملكة البحرين أن الدول تستطيع أن تقدم للعالم أفكاراً ومبادرات وقيماً يتجاوز أثرها حدودها الجغرافية. ومن هنا، فإن وصول مبادرة بحرينية إلى مستوى الاعتماد الأممي يمثل محطة مهمة في مسار طويل، ويعكس قدرة الرؤية الوطنية على الوصول إلى دوائر أوسع عندما تستند إلى قناعة واضحة، وعمل مؤسسي، وإرادة تستثمر في الإنسان وفي القيم التي تجمع البشر.
إن السلام بالنسبة إلى مملكة البحرين يمثل توجهاً راسخاً يستند إلى الإيمان بالإنسان وحقه في الأمن والاستقرار والكرامة، وبقدرة الحوار على تقريب وجهات النظر، وبأن احترام التنوع والتفاهم بين الشعوب يمكن أن يشكلا أساساً لعالم أكثر استقراراً. ومن هنا جاءت المبادرات البحرينية لتمنح هذه المبادئ إطاراً عملياً، وتنقلها من المجال الوطني إلى المجال الدولي، وصولاً إلى اعتماد اليوم الدولي للتعايش السلمي، بما يحمله من رسالة تتصل بجوهر السلام الذي يحتفي به العالم في الحادي والعشرين من سبتمبر.
وفي اليوم الدولي للسلام، تستمر الرسالة البحرينية من وطن عرف تاريخياً بالتواصل والانفتاح والتقارب، وتؤكد أن السلام يبدأ من الإنسان، ثم يمتد إلى الأسرة والمجتمع، ومن المجتمع إلى الدولة، ومن الدولة إلى العالم. إنها رسالة تحتاجها الإنسانية اليوم، لأن بناء الجسور يفتح مساحات للتفاهم، والحوار يهيئ فرصاً للحلول، والتعاون يمنح الشعوب قدرة أكبر على تجاوز الأزمات والتطلع إلى مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً.
ومن مملكة البحرين، تبقى الرسالة واضحة: السلام مسؤولية مشتركة، والتعايش ممارسة حضارية، والحوار طريق لصناعة المستقبل. وما تحقق من حضور دولي للمبادرات البحرينية يؤكد أن الرؤية التي انطلقت من مملكة البحرين استطاعت أن تتجاوز حدودها لتصل إلى العالم، وأن تتحول من رؤية ملكية سامية إلى رسالة إنسانية عالمية، تحمل إيماناً راسخاً بأن احترام الإنسان، وقبول التنوع، والتفاهم بين الشعوب، والتعاون من أجل مستقبل أكثر استقراراً، هي ركائز أساسية لعالم تسوده قيم السلام والأمن والازدهار.
* مستشار إعلامي وعلاقات مؤسسية