وليد صبري


أكد استشاري الطب النفسي وعلاج الإدمان، وأمين سر جمعية أصدقاء الصحة، د. إيهاب رخا أن حجر الزاوية في مرحلة التعافي، ليس فقط للتوقف عن التعاطي، بل أيضاً إعادة ترميم العلاقات التالفة واستعادة الثقة التي تضررت بفعل السلوكيات الإدمانية السابقة، مثل الإنكار، والتكتم، والإخلاف بالوعود، مضيفاً أن إعادة بناء هذه الجسور تُشكل دعامة أساسية لمنع الانتكاسة وضمان استقرار نفسي طويل الأمد.

وأضاف د. رخا في تصريحات لـ"الوطن" أن الإدمان يُعد مرضاً دماغياً مزمناً، ولا يقتصر تأثيره على الجانب الجسدي والنفسي للمتعافي فحسب، بل يمتد ليعصف بالبنية الاجتماعية والأسرية المحيطة به. وشدد على أن عملية إصلاح العلاقات تبدأ بالاعتراف الصادق وتحمل المسؤولية عن الأفعال الماضية دون مبررات أو إلقاء اللوم على الظروف أو الآخرين.

وتابع أن هذا الاعتراف يُعد الخطوة الأولى نحو كسر جدار الجفاء، حيث يحتاج المقربون إلى رؤية شجاعة أخلاقية ورغبة حقيقية في التغيير. ومع ذلك، يجب على المتعافي أن يدرك أن الاستعداد النفسي لديه للبدء من جديد قد لا يتوافق فوراً مع جاهزية أفراد الأسرة، مما يتطلب تقبل مشاعر الغضب والمخاوف المشروعة التي قد يحملونها.

وقال د. رخا إن الثقة في رحلة التعافي تُبنى عبر السلوك المتسق والمستمر، وليس من خلال الوعود الشفهية فقط. إن الالتزام بالخطة العلاجية، وحضور جلسات الدعم، والحفاظ على الشفافية في التعاملات اليومية، والوفاء بالالتزامات الصغيرة قبل الكبيرة، هي الأفعال التي تُترجم النوايا إلى واقع ملموس. ويمثل الصبر والاستمرارية في هذا السلوك التراكمي الوقود الفعلي لإعادة ترميم جدار الثقة المهدوم بين الطرفين.

ونوه بأن التواصل الفعّال والصحي يلعب دوراً جوهرياً في وضع حدود أسرية مرنة وآمنة؛ إذ ينبغي تطوير مهارات الاستماع النشط والتعبير الواضح عن الاحتياجات والمشاعر دون تصعيد. وفي كثير من الحالات، يُوصى بالاستعانة بالعلاج الأسري أو الزواجي المتخصص تحت إشراف أطباء ومعالجين نفسيين، لوضع إطار آمن يساعد الطرفين على تفكيك رواسب الماضي، وإعادة بناء قنوات التواصل على أسس جديدة تعزز التعاطف والدعم المتبادل.

وفي ختام هذا المسار الشاق والمثمر، أكد استشاري الطب النفسي أن إعادة بناء الثقة عملية تدريجية تتطلب وقتاً وجهداً متواصلين من جميع الأطراف، وأن التعافي الحقيقي لا يكتمل بمجرد تحقيق الامتناع الجسدي، بل ينضج ويثمر عندما يعود الفرد ليكون عضواً فاعلاً وموثوقاً في أسرته ومجتمعه، محاطاً ببيئة داعمة تُعزز صموده واستقراره النفسي.