سماهر سيف اليزل
في عالم تتسع فيه رقعة الصراعات وتتراجع فيه مساحات الحوار، يأتي اليوم الدولي للسلام 2026 هذا العام تحت شعار «استثمروا في السلام: من أجل الجميع، في كل مكان، كل يوم»، ليعيد التأكيد على أن السلام لا يعني فقط غياب الحرب، وإنما يرتبط بالأمن والكرامة والفرص والتنمية والحوار والتعاون، وبقدرة المجتمعات على إدارة اختلافاتها بعيداً عن العنف والانقسام.
وفي هذا السياق، تبرز مملكة البحرين من خلال مسار امتد لسنوات، لم يقتصر على الخطاب السياسي أو الدبلوماسي، بل شمل مبادرات في التعايش الديني، والتعليم، وتمكين الشباب، والحوار بين الحضارات، ودعم المرأة، والعمل متعدد الأطراف، إلى جانب حضورها في المؤسسات الدولية المعنية بالسلم والأمن. ويكتسب حضور البحرين في هذا الملف أهمية إضافية في عام 2026، مع بدء المملكة عضويتها غير الدائمة في مجلس الأمن الدولي للفترة 2026-2027، لتشارك في النقاشات والقرارات الدولية المرتبطة بمنع النزاعات وحفظ السلام والأمن الدوليين.
-21 سبتمبر.. السلام الذي يبدأ من الحياة اليومية:
تحتفل الأمم المتحدة في 21 سبتمبر من كل عام باليوم الدولي للسلام. وقد أُعلن اليوم للمرة الأولى عام 1981 بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة، قبل أن تعتمد الجمعية العامة في 2001 قراراً يجعل المناسبة مرتبطة بالامتناع عن العنف ووقف إطلاق النار.
- في 2026، تنتقل الرسالة الدولية بالسلام خطوة:
أبعد من موائد التفاوض وقاعات المؤتمرات، إذ يركز الشعار على ما تسميه الأمم المتحدة «بناة السلام في تفاصيل الحياة اليومية»؛ أي الأفراد والمتطوعين والمجتمعات والمؤسسات الذين يرسخون الاستقرار من القاعدة إلى القمة.
وتربط الرسالة الأممية بين السلام والتنمية والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية وحقوق الإنسان والكرامة، إلى جانب الأدوات التقليدية لصنع السلام، وفي مقدمتها الدبلوماسية والحوار والتفاوض وحفظ السلام. ومن هنا، فإن الاستثمار في السلام لا يعني بالضرورة تحركاً دبلوماسياً كبيراً، وإنما يشمل كذلك الاستثمار في الإنسان، والتعليم، والشباب، والحوار، والتسامح، والعدالة، والتنمية، ومنع خطاب الكراهية.
- البحرين.. من التجربة المحلية إلى المبادرة الدولية:
أحد أبرز جوانب الحضور البحريني في هذا الملف يتمثل في انتقال مفهوم التعايش السلمي من كونه قيمة مجتمعية إلى مبادرات ومؤسسات وأطر دولية.
ففي عام 2017 أُطلق «إعلان مملكة البحرين» الذي ركز على حرية الدين والمعتقد، والاحترام المتبادل، ونبذ التطرف والكراهية، وتعزيز التفاهم بين أتباع الديانات. كما ارتبط الإعلان بإطلاق مركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح.
وفي السياق ذاته، أسست المملكة مركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح ليكون منصة للبرامج التعليمية والتدريبية والحوار بين الأديان والثقافات، وشراكات مع مؤسسات دولية وأكاديمية وبرلمانية.ولا تقف أهمية التجربة عند إنشاء مؤسسة محلية، بل تتصل بمبادرات وصلت إلى الأمم المتحدة نفسها.
-إنجاز أممي بارز.. 28 يناير يوماً دولياً للتعايش السلمي:
من أبرز المحطات الحديثة في المسار البحريني اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة في 4 مارس 2025 قراراً بإعلان 28 يناير من كل عام «اليوم الدولي للتعايش السلمي». وكانت البحرين من الدول التي تقدمت بمشروع القرار، إلى جانب عدد من الدول الأخرى.
واعتمد القرار بأغلبية 162 دولة مقابل 3 دول ضد القرار، وامتناع دولتين عن التصويت، من أصل 193 دولة عضواً.
وأصبحت 28 يناير 2026 أول مناسبة دولية لهذا اليوم الجديد، فيما شهدت البحرين فعالية نظمها مركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح بمشاركة مسؤولين ودبلوماسيين وممثلين عن الأمم المتحدة والمجتمع المدني وقيادات دينية. وتكمن أهمية هذا الإنجاز في أن المبادرة لم تعد مرتبطة بالبحرين وحدها، وإنما تحولت إلى يوم أممي سنوي تدعو خلاله الأمم المتحدة إلى تعزيز التسامح والاحترام والتنوع الديني والثقافي وحقوق الإنسان والحوار والتفاهم.
- من «التعايش» إلى «السلام».. جسر بحريني إلى المجتمع الدولي:
ولا تعد مبادرة 28 يناير الأولى من نوعها؛ ففي عام 2017 كانت البحرين أيضاً ضمن الدول الراعية لمشروع القرار الأممي الذي اعتمد 16 مايو «اليوم الدولي للعيش معاً في سلام».
واعتمدت الجمعية العامة القرار دون تصويت، ودعا إلى تعزيز المصالحة والسلام والتسامح والتضامن والحوار، والعمل مع المجتمعات وقيادات الأديان ومختلف الأطراف ذات الصلة.
وبذلك، تمتلك البحرين حضوراً مباشراً في مسارات أممية متصلة بثقافة السلام والتعايش، تشمل:
* 16 مايو: اليوم الدولي للعيش معاً في سلام.
* 21 سبتمبر: اليوم الدولي للسلام.
* 28 يناير: اليوم الدولي للتعايش السلمي.
وهذا التسلسل يضع ملف التعايش ضمن منظومة أوسع من العمل الدولي من أجل السلام.
- مركز الملك حمد.. التعليم كسلاح للسلام:
من أبرز الأدوات التي تعتمد عليها البحرين في نشر ثقافة السلام التعليم، انطلاقاً من معالجة جذور التعصب والانقسام تبدأ ببناء المعرفة وفهم الآخر.
وفي هذا الإطار، أطلق مركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح عدداً من البرامج التعليمية والتدريبية، من بينها دبلوم الدراسات العليا المشترك في التعايش بالتعاون مع جامعة السلام التابعة للأمم المتحدة ومؤسسات أكاديمية دولية. وشارك في النسخة الثانية من البرنامج طلاب من 63 دولة، في تجربة تعكس البعد الدولي للمبادرة.
كما يدعم المركز كرسي الملك حمد للحوار بين الأديان والتعايش في جامعة سابينزا الإيطالية، وهو برنامج أكاديمي يركز على العلاقات بين الأديان والتعددية الدينية وتعزيز التفاهم والاحترام المتبادل بين مختلف أتباع الديانات.
- الشباب.. الاستثمار الأطول عمراً في السلام:
يتقاطع التوجه البحريني مع موضوع اليوم الدولي للسلام 2026 في التركيز على بناة السلام في الحياة اليومية، خصوصاً الشباب. ويعمل «مركز الملك حمد» على برامج موجهة إلى الشباب، من بينها برنامج الملك حمد للريادة في التعايش، إلى جانب مبادرة «مدارس العلوم من أجل السلام» بالتعاون مع الاتحاد البرلماني الدولي.
كما تتضمن الشراكات الدولية برامج للتوعية بمخاطر خطاب الكراهية، من بينها سلسلة «من الكراهية إلى الأمل» بالتعاون مع مؤسسات دولية متخصصة.
وفي يناير 2026، بحث المركز مع الأمين العام للاتحاد البرلماني الدولي توسيع التعاون في بناء القدرات، وتمكين الشباب، وتعزيز البرامج التعليمية والتدريبية، ومكافحة خطاب الكراهية، إلى جانب تنفيذ مبادرة «مدارس العلوم من أجل السلام». وهنا يتحول مفهوم السلام من اتفاق بين الحكومات إلى استثمار في جيل قادر على الحوار وإدارة الاختلاف.
- جائزة بمليون دولار.. تحويل السلام إلى إنجاز عالمي:
وفي أحدث مبادراتها، أطلقت البحرين في 18 أغسطس 2026 الدورة الأولى من جائزة الملك حمد للتعايش والتسامح، وفتحت باب الترشح أمام الأفراد والمؤسسات من مختلف دول العالم.
وتبلغ القيمة المالية للجائزة مليون دولار أمريكي، إضافة إلى شهادة تقديرية وميدالية، وتستهدف تكريم المبادرات والأعمال المتميزة التي تعزز التسامح والتعايش والحوار والاحترام المتبادل، وتحدث أثراً مستداماً في المجتمعات.
ويأتي إطلاق الجائزة تتويجاً لمسار بدأ بإعلانها خلال منتدى حوار البحرين «الشرق والغرب من أجل التعايش الإنساني» في نوفمبر 2022.
واللافت أن الجائزة لا تقتصر على الحكومات، وإنما تفتح المجال أمام الأفراد والمؤسسات والمبادرات من مختلف أنحاء العالم، وهو ما ينسجم مباشرة مع رسالة اليوم الدولي للسلام هذا العام حول دور «بناة السلام» في المجتمعات.
- البحرين ومجلس الأمن.. السلام عبر الدبلوماسية متعددة الأطراف:
في يناير 2026، بدأت البحرين عضويتها غير الدائمة في مجلس الأمن الدولي لمدة عامين.
وتمنح هذه العضوية المملكة منصة مباشرة للمشاركة في الملفات المتعلقة بالنزاعات والأمن الدولي وحفظ السلام ومكافحة الإرهاب وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية.وأكدت البحرين في مداخلاتها أمام المجلس أهمية الحوار والتفاوض والدبلوماسية كوسائل للتعامل مع النزاعات، كما شددت على أهمية الحلول السلمية للقضايا الإقليمية.
وهكذا يأتي الحضور البحريني في مجلس الأمن ليضيف بعداً سياسياً ودبلوماسياً إلى المبادرات الثقافية والتعليمية التي تقودها المملكة في مجال السلام.
- المرأة.. ركيزة أخرى في معمار السلام:
ولا يكتمل الاستثمار في السلام من دون حضور المرأة في عمليات صنع القرار ومنع النزاعات وبناء المجتمعات.
وفي هذا الجانب، أكدت البحرين دعمها لأجندة المرأة والسلام والأمن، مشيرة إلى دور المجلس الأعلى للمرأة في تعزيز تقدم المرأة وإدماج احتياجاتها في التنمية وصنع القرار.
كما تبرز جائزة الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة العالمية لتمكين المرأة، التي أطلقت بالتعاون مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة، باعتبارها مبادرة بحرينية ذات بعد دولي لتسليط الضوء على التجارب الناجحة في تمكين النساء والفتيات.
- من الحوار الديني إلى الدبلوماسية الإقليمية:
وتظهر تجربة البحرين كذلك في استضافة منصات للحوار بين الأديان والثقافات، وفي مقدمتها ملتقى البحرين للحوار «الشرق والغرب من أجل التعايش الإنساني» عام 2022، الذي شهد مشاركة دينية وفكرية دولية وحضور البابا فرنسيس إلى البحرين. كما استمرت الشراكات مع مؤسسات دينية وأكاديمية وبرلمانية دولية، بما فيها الاتحاد البرلماني الدولي وجامعة السلام التابعة للأمم المتحدة وجامعة سابينزا. وتتوسع هذه الدبلوماسية الناعمة إلى دعوات بحرينية لمعالجة خطاب الكراهية والتعصب والتطرف عبر أطر دولية.
- السلام.. حين تتحول المبادرة الوطنية إلى رسالة عالمية:
تكشف التجربة البحرينية في ملف السلام عن مسارات متعددة تتقاطع في هدف واحد: بناء بيئة تقل فيها أسباب الصراع قبل أن يتحول إلى نزاع.
فمن إعلان البحرين عام 2017، إلى دعم إنشاء اليوم الدولي للعيش معاً في سلام، ثم المبادرة التي قادت إلى اليوم الدولي للتعايش السلمي في 28 يناير، مروراً بمركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح وبرامجه التعليمية والشبابية، وصولاً إلى جائزة عالمية بقيمة مليون دولار وعضوية مجلس الأمن للفترة 2026-2027، تتدرج الأدوات البحرينية من الفكرة إلى المؤسسة، ومن المؤسسة إلى المبادرة الدولية.
وفي 2026، ترتبط هذه المسارات برسالة الأمم المتحدة نفسها: فالسلام ليس إنجازاً يُنتظر حدوثه تلقائياً، وإنما عمل يومي واستثمار طويل الأمد في الإنسان والحوار والتنمية والثقة.
وبهذا المعنى، فإن شعار هذا العام «استثمروا في السلام: من أجل الجميع، في كل مكان، كل يوم» يضع التجربة البحرينية في سياق أوسع، حيث لا يُقاس الاستثمار في السلام فقط بعدد الاتفاقيات، بل أيضاً بعدد العقول التي تتعلم الحوار، والشباب الذين يحملون رسالته، والمؤسسات التي تحمي التعايش، والمبادرات التي تعبر الحدود، والقرارات الدولية التي تحول قيم السلام إلى أطر عالمية.