بقلم: م. غادة محمد السيد
مع بداية التعافي من قسوة الرطوبة هذا الصيف وعودة موسم المعارض والفعاليات الفنية إلى أجندة البحرين، قد يكون مفيداً ألا نسأل فقط: ماذا سنشاهد هذا الموسم؟ بل أن نبدأ بسؤال أسبق وأكثر جوهرية: لماذا نحتاج إلى الفن أصلًا؟
قد يبدو السؤال بسيطاً، لكن الإجابة تتجاوز فكرة الجمال أو الترفيه أو ترف اقتناء الأعمال الفنية. فالفن لا يضيف إلى حياتنا أشياء جميلة للمشاهدة (البصر) فحسب، بل يدرّبنا على فعل إنساني أساسي: أن نرى (البصيرة)، أن نتوقف أمام صورة أو لون أو شكل، ونلاحظ ونفكر ونتساءل قبل أن نصدر حكماً سريعاً.
وفي زمن أصبحت فيه الصورة تمر أمام أعيننا بسرعة هائلة، ربما أصبحت هذه القدرة على التوقف والتأمل أكثر أهمية من أي وقت مضى.
إذن من الفرد يبدأ أثر الفن. فالوقوف أمام عمل فني تجربة تختلف عن استقبال الصور المتلاحقة عبر مواقع التواصل الاجتماعي في الهاتف. لا يقدم العمل الفني بالضرورة إجابة جاهزة، بل يترك مساحة للمشاهد كي يكوّن علاقته الخاصة معه هي مساحة للتأمل، والانتباه، والتعبير عن المشاعر، هي إحدى أهم القيم الإنسانية للفنون.
لكن فعل الفن لا يتوقف عند الفرد. عندما نخرج من التجربة الشخصية إلى المعرض أو المتحف أو الفضاء الثقافي، يتحول الفن إلى فعل اجتماعي، أي نحن لا نرى العمل وحده؛ نراه إلى جانب آخرين قد يختلفون معنا في العمر والخلفية والذائقة والتفسير. هنا يصبح الفن مساحة للقاء والحوار، وليس مجرد شيء معلّق على جدار.
ولنا بالبحرين تجربة طويلة يمكن قراءتها من هذا المنظور. فمعرض البحرين السنوي للفنون التشكيلية، الذي انطلق عام 1972، لم يعد مجرد مناسبة لعرض الأعمال أو منح الجوائز.
تصفه هيئة البحرين للثقافة والآثار في موقعها بأنه فضاء يجمع أجيالاً وتجارب فنية مختلفة، بل يعتبر الموقع أن تراكم هذه المشاركات كوّن ذاكرة تاريخية وفنية جماعية.
وبعد أكثر من نصف قرن، أصبح المعرض نفسه سجلاً يمكن من خلاله قراءة تحولات المجتمع والفنان واللغة البصرية في البحرين.
في دورته الثانية والخمسين عام 2026، جمع المعرض 75 فناناً بصرياً من اتجاهات وتجارب متعددة في عرض متميز وله خصوصية بحرينية وهي الاستمرارية. فحين يشارك جيل بعد جيل في مساحة ثقافية واحدة، تتحول الأعمال تدريجياً إلى شواهد على كيفية رؤية البحرينيين لأنفسهم ولمحيطهم وتحولات حياتهم.
ومن اللافت عندما يذكر أن أحد الفنانين المتميزين المشاركين في دورة 2026، أن علاقته بالمعرض تعود إلى دورته الأولى عام 1972 حين شارك فيه طالباً في المدرسة.
هنا نستطيع أن نرى كيف تتجاوز التظاهرة الفنية حدود الحدث المؤقت لتصبح جزءاً من السيرة الثقافية للمجتمع نفسه.
وهذا يقودنا إلى وظيفة أخرى للفن: صناعة الذاكرة.
في كتاب «الفن التشكيلي في البحرين من الحداثة إلى المعاصرة» للدكتورة مها عزيزة سلطان لكل ما له وما عليه، هو كتاب بحثي منهجي تذكر فيه أن هناك خيطاً يجمع تجارب العديد من الفنانين البحرينيين يتمثل في علاقتهم بالبحر والصحراء والذاكرة الشعبية والطبيعة والجذور.
وهذه ملاحظة مهمة؛ لأن الفنان لا يوثق المكان كما تفعل الكاميرا أو الوثيقة التاريخية بالضرورة، وإنما يعيد بناءه من خلال تجربته الشخصية.
ولذلك نجد البحر، والنخلة، والبيوت القديمة، والقرية، والمهن، والوجوه، وقسوة الحياة في غيص اللؤلؤ تظهر مراراً في التجارب البحرينية، لكن بصيغ بصرية مختلفة من جيل إلى آخر.
إذا لم يكن الفنان البحريني يرسم المكان بصورة واحدة. بدأ بتسجيل ما يراه من البحر والقرية والإنسان والحياة اليومية، ثم أعاد تفسير هذا المكان بالتعبير واللون والتجريد والرمز. وهكذا لم يحفظ الفن صورة البحرين فحسب، بل حفظ أيضاً الطريقة التي تغيّرت بها نظرة البحريني إلى واقعه عبر الأجيال.
ولا تتشكل هذه الذاكرة بالفنان وحده. إنما هو جهد جماعي يحتاج إلى مؤسسات تحفظها وتعرضها وتعيد تقديمها إلى أجيال جديدة. تأسست جمعية البحرين للفنون التشكيلية عام 1983، واستمرت في جمع الرواد والأكاديميين والأجيال الجديدة وعرض تجاربهم داخل البحرين وخارجها.
كما أصبح «ربيع الثقافة»، منذ انطلاقه عام 2006، نموذجاً مختلفاً للعمل الثقافي المشترك؛ إذ يجمع مؤسسات رسمية وأهلية ومساحات فنية ومواقع تراثية ضمن موسم واحد من المعارض والموسيقى والمسرح والمحاضرات والورش.
وفي نسخته العشرين عام 2026 شاركت، إلى جانب هيئة البحرين للثقافة والآثار، مؤسسات ومساحات فنية متعددة مثل مركز الشيخ إبراهيم، والبارح، والرواق، ولافونتين وغيرها.
لكن كثرة المعارض والفعاليات وحدها لا تصنع ثقافة بصرية.
ربما هنا يكمن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا مع بداية كل موسم فني: هل نريد مجتمعاً تكثر فيه المعارض، أم مجتمعاً يرى ويتفاعل ويتذكر من خلالها؟
الثقافة البصرية تبدأ حين لا يبقى الفن شأناً خاصاً ضيقاً متاحاً فقط الفنان والناقد والمقتني والمحيط الاجتماعي الذي تدور حوله نخبة لا تتغير مع مضي الوقت، بل أرى أن يدخل في حياة الناس العاديين والعامة والجموع التي تتلذذ بالمأكولات الشعبية نريدها أن تتلذذ بنفس الشهية للفن والفنون البصرية، حين يدخل الطفل معرضاً ويسأل؛ وحين يقف الشاب أمام عمل لا يفهمه فوراً لكنه يمنحه وقتاً؛ وحين يرى جيل تيك توك الجديد في لوحة قديمة شيئاً من ذاكرة المكان الذي يعيش فيه؛ وحين يصبح المتحف أو الجاليري مساحة طبيعية للقاء، مثل المكتبة والحديقة والمقهى.
عندها فقط يتحول الفن من حدث ثقافي إلى فعل ثقافي. وربما لا يحتاج المجتمع إلى الفن لأنه يجعل الحياة أجمل فحسب، بل لأنه يساعده على أن يرى نفسه، وأن يحتفظ بما يتغير منه، وأن يترك للأجيال القادمة ذاكرة لا تُكتب بالكلمات وحدها.
Vc.ghada@gmail.com