استضاف مركز عبدالرحمن كانو الثقافي مساء أمس، الثلاثاء، الندوة الرابعة من سلسلة الندوات التي يقيمها المركز تأبينًا للشاعر والأديب الراحل علي عبدالله خليفة. بعنوان "الشعر بين الإذاعة والأغنية.. تجربة علي عبدالله خليفة"، استعرضت جوانب من المسيرة الإبداعية والثقافية للشاعر والأديب والباحث الراحل علي عبدالله خليفة، بمشاركة الأستاذ خليل الذوادي والفنان أحمد الجميري والفنان أحمد الحداد، فيما أدار الحوار الأستاذ علي القطان.

واستهل الأستاذ خليل الذوادي الندوة بالحديث عن المكانة التي شغلها الراحل في المشهد الثقافي البحريني، ودوره البارز في حفظ التراث الشعبي وتوثيقه ونقله إلى الأجيال، إلى جانب حضوره المميز عبر أثير إذاعة البحرين، حيث قدم برنامجي "همسات الليل"، الذي اهتم بالأدب الفصيح، و"ظمأ الأوتار"، الذي احتفى بالشعر والأدب الشعبي، وأسهم من خلالهما في إبراز أصوات وتجارب شعرية بحرينية وترسيخ حضور الشعر لدى جمهور واسع.

وتوقف الذوادي عند إسهامات خليفة الممتدة في خدمة التراث الشعبي، والتي بدأت مبكرًا منذ مرافقته عام 1963 لعالم موسيقى الشعوب الدنماركي بول روفسنج أولسن خلال جولاته الميدانية لجمع وتوثيق الموسيقى الشعبية في البحرين، وتطور هذا الاهتمام المبكر بالتراث إلى مشروع ثقافي متكامل، حيث أسهم الراحل في تأسيس مؤسسات ومشروعات متخصصة، منها المجلات التي وثقت الكثير من الاهتمامات من بينها الموسيقى الشعبية، كما أسهم بالتعاون مع وزارة الإعلام في تأسيس مهرجان البحرين الدولي للفنون الشعبية، ليحمل اهتمامه بالتراث البحريني والخليجي إلى فضاء دولي أوسع.

من جانبه، استعاد الفنان أحمد الجميري ذكريات بداية علاقته بالراحل، متحدثًا عن الصداقة والتعاون الفني الذي جمع بينهما، وكيف شكّل الاثنان ثنائيًا شعريًا وموسيقيًا أثمر عددًا من الأعمال التي بقيت حاضرة في ذاكرة الأغنية البحرينية. وكانت قصيدة "غني يا عصفورة شعر" من البدايات البارزة لهذا التعاون، حيث قام الجميري بتلحينها وغنائها، قبل أن تتوالى الأعمال المشتركة بينهما نتيجة حالة التوافق الشعري والموسيقي التي ميزت تجربتهما.

وتحدث الجميري خلال الندوة عن تاريخ عدد من الأعمال التي جمعته بالراحل والظروف والمناسبات التي قدمت فيها، كما أمتع الحضور بأداء ثلاث أغنيات من كلمات علي عبدالله خليفة مع عزف العود وهي "غني يا عصفورة شعر"، و"تستاهلين الخير يا دار الأحرار"، و"أحب فيك الذي ما تعرفه عارفه"، مستعيدًا من خلالهما جانبًا من العلاقة الفنية التي جمعت القصيدة باللحن، والشاعر بالملحن والمطرب، في تجربة امتدت لسنوات طويلة وأثمرت العديد من الأعمال المميزة.

أما الفنان أحمد الحداد، فعاد بالحضور إلى بداية الستينيات، مستذكرًا بداية معرفته بالشاعر الراحل، وكيف بدأت علاقته بقصائده من خلال تلحينها وغنائها.

وتحدث الحداد عن خصوصية شعر علي عبدالله خليفة وقربه من البيئة البحرينية وثرائها بالمفردات والصور الشعبية، وعن تجربته في التعامل موسيقيًا مع نصوص الراحل، ولا سيما المواويل التي شكلت جانبًا مهمًا من مشروعه الشعري والتراثي.

وأضفى الحداد على الندوة بعدًا فنيًا حيًا، حيث غنّى وعزف على العود مجموعة من مواويل "عطش النخيل"، من بينها "عذاري ليمتى تسقين"، و"حمامة في الصبر حطت"، و"يا مسافرين الصبح"، و"مشموم وين الشعر"، مستعيدًا أمام الحضور ما تحمله هذه النصوص من صور ومفردات مرتبطة بالبيئة البحرينية والوجدان الشعبي.

كما شارك الشاعر حسين الحليبي في الندوة بإلقاء قصيدة تأبينية بعنوان "فرقد في سماء الفكر"، عبّر من خلالها عن الوفاء لذكرى الراحل، مستحضرًا مكانته الأدبية والثقافية وما تركه من أثر في المشهد الثقافي البحريني.

وشكلت الندوة مساحة لاستعادة جانب مهم من إرث علي عبدالله خليفة، ليس بوصفه شاعرًا فحسب، وإنما باعتباره أحد أبرز المشتغلين على حفظ الذاكرة الشعبية البحرينية والخليجية، إذ جمع في تجربته بين الشعر والإذاعة والأغنية والبحث الميداني والعمل الثقافي المؤسسي، وكرّس جانبًا كبيرًا من مسيرته لجمع التراث الشعبي وتوثيقه ودراسته والتعريف به محليًا وعربيًا ودوليًا.

وجاءت الأمسية لتؤكد استمرار حضور تجربة الراحل علي عبدالله خليفة في الذاكرة الثقافية البحرينية، سواء من خلال قصائده ودواوينه، أو الأغنيات التي حملت كلماته، أو البرامج الإذاعية التي وصلت إلى أجيال من المستمعين، إلى جانب المؤسسات والمشروعات الثقافية والتراثية التي أسهم في تأسيسها، تاركًا إرثًا أدبيًا وثقافيًا يمثل جزءًا مهمًا من ذاكرة البحرين الثقافية والفنية.