استقبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نظيره الصيني شي جين بينغ في البيت الأبيض، الخميس، في قمة رسمية اتسمت بمظاهر احتفالية واسعة، وسط توقعات بأن تكون غنية بالرمزية مقابل نتائج عملية محدودة، في وقت يسعى فيه الزعيمان إلى إظهار استقرار العلاقات بين أكبر اقتصادين في العالم رغم الملفات الشائكة، وبينها الذكاء الاصطناعي والتجارة وتايوان والحرب مع إيران.

وقال ترامب، خلال تصريحات في البهو الكبير للبيت الأبيض، إن لديه «صداقة عظيمة حقاً» مع شي، مشيراً إلى أن البلدين أحرزا تقدماً في ملف التجارة منذ زيارته إلى الصين في مايو.

وأضاف ترامب أن الجانبين سيناقشان قضايا ملحة تتعلق بالأمن والتكنولوجيا و«الذكاء الفائق»، وهو الاسم الذي يستخدمه للإشارة إلى الذكاء الاصطناعي، قائلاً إن القرارات التي سيتخذها البلدان في هذه المجالات يمكن أن تعزز السلام والازدهار لعقود مقبلة.

شي يدعو إلى منافسة صحية وحوار عسكري

وقال شي، في كلمته عقب ترامب، إن المنافسة بين الولايات المتحدة والصين ينبغي أن تكون «منافسة صحية».

وأضاف أن الشركات الأمريكية مرحب بها في الصين، معرباً عن أمله في أن تحظى الشركات الصينية بمعاملة عادلة في الولايات المتحدة.

كما دعا الرئيس الصيني الجيشين الأمريكي والصيني إلى الحفاظ على حوار منتظم بهدف تعزيز الوقاية من الأزمات.

وأشار شي إلى إمكانية تجاوز ما يعرف بـ«فخ ثيوسيديدس»، في إشارة إلى النظرية الأكاديمية التي تفترض وجود خطر تحول التنافس بين قوة صاعدة وأخرى راسخة إلى صراع مفتوح.

وتعد هذه الزيارة الأولى لشي إلى واشنطن منذ أكثر من عقد، كما تمثل اللقاء الثاني بين الزعيمين هذا العام.

مراسم احتفالية تعكس أهمية الزيارة

بالنسبة إلى ترامب، الذي يولي أهمية كبيرة للمراسم والعلاقات مع قادة الدول القوية، تحمل زيارة شي بعداً يتعلق بالمكانة الوطنية إلى جانب بعدها الدبلوماسي، خصوصاً أن الرئيس الأمريكي سعى إلى رد الاستقبال الفخم الذي حظي به خلال زيارته إلى الصين في مايو.

واستقبل ترامب شي مساء الأربعاء لدى وصوله بسجادة حمراء على مدرج قاعدة أندروز المشتركة، في أول مرة يستقبل فيها رئيس أمريكي زعيماً أجنبياً في القاعدة منذ استقبال الرئيس باراك أوباما للبابا فرنسيس عام 2015، وفقاً لشبكة «سي-سبان» التي تتابع الفعاليات الرئاسية.

وعقب تصريحات الزعيمين الخميس، شاهدا مراسم عسكرية تضمنت تحليق طائرات فوق حديقة الورود، فيما رُفعت الأعلام الصينية إلى جانب الأعلام الأمريكية فوق سطح المكتب البيضاوي، قبل اجتماع ثنائي مقرر بينهما.

لكن تصريحات ترامب وشي لم تُنقل مباشرة عبر أي من شبكات التلفزيون الأمريكية، بعدما رفضت الشبكات مجتمعة توفير التغطية احتجاجاً على حظر البيت الأبيض لشبكات «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو».

اختراقات كبرى غير متوقعة

ورغم المظاهر الاحتفالية، يقول محللون إن تحقيق اختراقات كبرى خلال القمة يبدو غير مرجح، مع احتمال اقتصار النتائج العملية على تمديد الهدنة التجارية التي تنتهي في نوفمبر، إلى جانب اتفاق لدراسة التهديدات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي.

وكان وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت قد قال لشبكة «فوكس نيوز» الأربعاء، عقب محادثات مع نائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ، إن الجانبين اتفقا على تمديد الاتفاق الذي أوقف الحرب التجارية حتى 10 يناير.

وكانت تلك الحرب قد شهدت وصول الرسوم الجمركية المتبادلة بين البلدين إلى أكثر من 100%.

وكتب ترامب، صباح الخميس، على منصة «تروث سوشيال» أن الزعيمين سيناقشان «الذكاء الفائق»، لكنه أشار مجدداً إلى عدم اهتمامه بفرض لوائح تنظيمية جديدة عليه، رغم مخاوف قادة في قطاع التكنولوجيا من إمكانية تحول الذكاء الاصطناعي مستقبلاً إلى تهديد للبشر.

وقال ترامب إن «الذكاء الفائق» سيكون موضوعاً رئيسياً للنقاش، لكنه يريد تركه «بالضبط حيث هو»، مضيفاً أن هذا هو أيضاً موقف الصين.

وفي المقابل، قال شي إن البلدين يمتلكان «القدرة والمسؤولية لتطوير وإدارة الذكاء الاصطناعي من أجل الخير، وضمان أن يكون تطوير الذكاء الاصطناعي دائماً تحت سيطرة الإنسان».

ويرى محللون أن المنافسة الحادة بين الولايات المتحدة والصين في مجال الذكاء الاصطناعي قد تحد من إمكانية التوصل إلى ما يتجاوز اتفاقات رمزية في هذا المجال.

ملفات تجارية وأمنية على طاولة القمة

وبحسب أشخاص مطلعين على الخطط، قد تسفر المحادثات أيضاً عن اتفاقات لخفض بعض الرسوم الجمركية، ومكافحة تهريب المخدرات، وتوسيع الحوار العسكري بين البلدين.

ومن المتوقع كذلك أن يسعى ترامب إلى الإفراج عن أمريكيين وغيرهم ممن تحتجزهم الصين.

ويبدو أن شي يدخل القمة من موقع أقوى في بعض الملفات، بعدما أشرف على ارتفاع التجارة الصينية وأصبح لبكين سيطرة قوية على إمدادات المعادن الأرضية النادرة، التي تمنح الرئيس الصيني ورقة ضغط مؤثرة.

وفي الوقت نفسه، يرى الزعيمان فوائد في الحفاظ على استقرار العلاقات، إذ يواجه ترامب تداعيات الحرب غير الشعبية مع إيران، بينما تواجه الصين تحديات اقتصادية داخلية.

تايوان من أكثر الملفات حساسية

ورغم السعي إلى إبقاء العلاقات مستقرة، لا تزال هناك ملفات يمكن أن تعيد إشعال التوتر، من بينها تايوان وضوابط التصدير والذكاء الاصطناعي.

وتبقى تايوان، الجزيرة ذات الحكم الديمقراطي التي تطالب الصين بالسيادة عليها، أكثر القضايا إثارة للخلاف بين البلدين.

وتشعر حلفاء الولايات المتحدة في آسيا بالقلق من احتمال أن يميل ترامب إلى تخفيف دعم واشنطن لتايوان من أجل تحقيق مكاسب اقتصادية مع الصين.

وبحسب مصادر أُحيطت علماً بالموضوع، من المتوقع أن يضغط شي على ترامب لوقف مبيعات الأسلحة الأمريكية لتايوان، وربما يطرح القضية خلال زيارة مشتركة مخطط لها إلى الأرشيف الوطني الأمريكي الجمعة.

وأضافت المصادر أن الصين تعرض، في المقابل، المساعدة في ممارسة ضغوط على إيران.

وكان ترامب قد قال بعد قمة مايو إنه أرجأ حزمة أسلحة لتايوان بقيمة نحو 14 مليار دولار، ووصفها بأنها «ورقة تفاوض جيدة جداً».

الحرب مع إيران وضوابط التكنولوجيا

ومن المرجح أن يناقش الزعيمان الحرب مع إيران، لكن لا توجد مؤشرات كثيرة على استعداد بكين لممارسة ضغط على حليفتها طهران للاستجابة للمطالب الأمريكية.

وفي الجانب الاقتصادي والتكنولوجي، تضم قائمة المدعوين إلى مأدبة العشاء الرسمية للرئيس الأمريكي عدداً من كبار المسؤولين التنفيذيين، بينهم تيم كوك من «أبل»، وجيف بيزوس من «أمازون»، وسوندار بيتشاي من «ألفابت»، وسام ألتمان من «أوبن إيه آي»، وإيلون ماسك من «تسلا»، وجنسن هوانغ من «إنفيديا».

لكن أشخاصاً مطلعين على الخطط الأمريكية قالوا إن ترامب من المرجح أن يحافظ على ضوابط تصدير صارمة على التكنولوجيا الأمريكية التي تريد الصين تخفيف القيود المفروضة عليها.