عشية اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين، ارتدت البحرين وشاحها الأخضر احتفاءً بهذه المناسبة العزيزة. أضاءت معالمها بلون الشقيقة الكبرى، وترددت عبارات التهنئة في البيوت والشوارع. وبدت الرايات كأنها تحكي قصة قرب لم تصنعه المناسبة، وإنما كشفت عنه للعيان. لكن المشهد يقول أكثر مما تقوله الأضواء: هنا بلد يرى في فرح شقيقه جزءاً من فرحه، وفي ذكرى توحيد المملكة العربية السعودية مناسبةً ليتذكر كيف تصنع الأخوّة تاريخاً يتجاوز الخرائط. ففي وجدان البحريني، لا يأتي اليوم الوطني السعودي خبرًا من الضفة الأخرى؛ إنه يوم تهنئة يخرج من البيت كما يخرج من مؤسسات الدولة.

ولذلك يلتقي في هذه المناسبة شعور القيادة بشعور الناس. فحرص حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، وأخيه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ملك المملكة العربية السعودية، أيدهما الله، على توثيق العلاقة بين المملكتين يجد صداه في حياة العائلات: زيارات لا تنتظر مناسبة، وأقارب على جانبي الجسر، وأصدقاء تختصر بينهم الألفة ما تطيله المسافات. هنا تظهر خصوصية العلاقة البحرينية السعودية؛ فالأخوة التي ترعاها القيادتان يعرفها الناس أيضًا في تفاصيل أيامهم.

وللعلاقة ذاكرة أقدم من الجسر نفسه. تعاقبت أجيال وهي تتبادل الزيارات، وتلتقي في العمل والتجارة، وتتشارك العادات والمناسبات. وحين افتُتح جسر الملك فهد عام 1986، وجدت هذه العلاقة طريقاً برياً يليق باتساعها. أصبح العبور مشهداً عادياً إلى درجة أنه يخفي معناه الكبير: أسرة تلتقي، وطالب يتعلم، ومريض يقصد علاجاً، وصاحب مشروع يفتح باباً جديداً لعمله. وما كان حلماً في ذاكرة الآباء صار طريقاً مألوفاً يعبره الأبناء. تلك هي قوة الجسر الحقيقية؛ أنه يصل حياةً بحياة، كل يوم.

ومن هذه القاعدة الإنسانية اكتسب التعاون الرسمي عمقه. فمجلس التنسيق السعودي البحريني، برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، وأخيه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء بالمملكة العربية السعودية، حفظهما الله، يمنح الشراكة مسارات للعمل المشترك في الاقتصاد والاستثمار والثقافة. وتتجلى قوة هذا التعاون في تنسيق الرؤى وتبادل الخبرات، وفي توسيع ميادين العمل أمام شباب البلدين. وحين تتسع الفرص أمام المنتجات البحرينية في السوق السعودية، وتتقارب المؤسسات في التعليم والأعمال، تتحول الأخوة إلى نتائج ملموسة في التجارة والمعرفة. ويظهر نجاح هذه الشراكة فيما يلمسه المواطن والتاجر والطالب في حياته ومستقبله. إنها علاقة تستمد ثباتها من الثقة، وتجدد حيويتها بما يضيفه كل جيل إلى ما بناه السابقون.

وللسعودية في قلب البحريني مكانة تتصل أيضاً بما تمثله للخليج والعالمين العربي والإسلامي. فالاحتفاء بيومها الوطني احتفاء بمسيرة دولة وحّدها الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، طيب الله ثراه، ومضت في بناء مؤسساتها وتطوير اقتصادها وتوسيع آفاق أبنائها.

ويفرح البحريني بما تحققه شقيقته؛ لأنه يرى في تقدمها فرصاً أرحب للمنطقة، وفي أمنها واستقرارها قيمةً تمس مستقبله. ويضيف التشاور بين المملكتين في شؤون المنطقة بُعداً آخر إلى هذه الأخوة. ومن هذا الشعور تنشأ رغبة صادقة في توسيع مجالات التعاون، لتبقى فرحة المناسبة متصلة بما يستطيع البلدان بناءه معاً.

وتتجلى فرادة العلاقات البحرينية السعودية في مسيرتها كلها: قيادتان تصونان إرث المودة وتدفعانه إلى الأمام، وشعبان يبرهنان عليه في الأيام العادية قبل المناسبات، وجسر يحمل وجوه المحبة بقدر ما يحمل التجارة. وحين تتوشح معالم البحرين بالأخضر، تعلن بلغة الضوء ما يعرفه الناس منذ زمن: أن للمملكة العربية السعودية في البحرين إخوةً يفرحون لفرحها، ويدعون لها بدوام الأمن والازدهار.

كل عام والسعودية، قيادةً وشعباً، بخير؛ وكل عام وهذه الأخوّة أقدر على صنع مستقبل يليق بتاريخ المملكتين.