د. عبدالعزيز علي صويلحفي السنوات الأخيرة، برزت في مجتمعنا مجموعة من المصطلحات والصفات التي أصبحت تُستخدم بكثرة لوصف بعض الأشخاص، مثل: الناشط الاجتماعي، والمحلل السياسي، والحقوقي، والمستشار، والباحث، والإعلامي، والخبير والمؤرخ وغيرها. والمشكلة ليست في هذه المسميات بحد ذاتها، وإنما في استخدامها أحياناً دون ضوابط أو معايير واضحة، حتى أصبح اللقب في بعض الحالات يسبق صاحبه علماً وخبرةً وتخصصاً.فليس كل من كتب في الشأن الاجتماعي ناشطاً اجتماعياً، ولا كل من عبّر عن رأيه في قضية سياسية محللاً سياسياً، ولا كل من تحدث عن الحقوق حقوقياً، ولا كل من قدم رأياً أو نصيحة مستشاراً.
فالناشط الاجتماعي هو من له حضور وممارسة فعلية في خدمة المجتمع، والمشاركة في المبادرات والبرامج الاجتماعية، وله أثر يمكن ملاحظته وقياسه، وليس مجرد حضور في وسائل التواصل الاجتماعي.
أما المحلل السياسي، فهو المتخصص القادر على قراءة الأحداث السياسية وفهم خلفياتها وأبعادها، وربطها بالمعطيات والوقائع، وتقديم تحليل قائم على المعرفة والمنهج العلمي والأكاديمي في التحليل، لا على الانطباعات الشخصية أو المواقف العابرة.
والحقوقي هو من يمتلك معرفة ودراية بالقوانين والمواثيق والمبادئ الحقوقية، ويمارس نشاطاً أو عملاً حقيقياً في مجال حقوق الإنسان والدفاع عنها وفق الأطر المهنية والقانونية.أما المستشار، فهو صاحب خبرة أو اختصاص متراكم يُستعان به لتقديم الرأي المهني في مجال محدد، ولذلك لا يكفي أن يكون الإنسان صاحب تجربة أو رأي حتى يُمنح صفة «مستشار».
والأمر ذاته ينطبق على الباحث والخبير والإعلامي والمؤرخ؛ فهذه ليست ألقاباً اجتماعية للتشريف، وإنما صفات مهنية يفترض أن تستند إلى التأهيل والتخصص والخبرة والممارسة والإنتاج العلمي في مجال التخصص.المشكلة ليست في اللقب بل في غياب المعيار.
إن إطلاق هذه الصفات بلا ضوابط يضر بالمجتمع قبل أن يضر بأصحاب التخصص الحقيقي؛ لأنه يؤدي إلى خلط المفاهيم، وإضعاف قيمة التخصص، وإرباك المتلقي، ومنح بعض الأشخاص مكانة لا يستندون إليها علمياً أو مهنياً.
كما أن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في سرعة انتشار هذه الألقاب، فأصبح تكرار ظهور الشخص في المنصات أو كثرة متابعيه سببًا كافيًا عند البعض لمنحه صفة «الخبير» أو «المحلل» أو «الناشط»، مع أن الشهرة ليست تخصصاً، وكثرة المتابعين ليست شهادة علمية، وكثرة الحديث ليست دليلاً على الخبرة.
فما هوالحل؟
الحل لا يكمن في منع الناس من التعبير عن آرائهم، فهذا حق طبيعي، وإنما في الفصل الواضح بين الرأي الشخصي والصفة المهنية.
ومن المهم أن تعتمد المؤسسات الإعلامية والاجتماعية والثقافية والأكاديمية معايير واضحة عند تقديم الأشخاص للجمهور، تقوم على:
1.المؤهل والتخصص.2.الخبرة والممارسة الفعلية.3.الإنتاج أو الإنجاز في المجال.4.السجل المهني أو البحثي.5.الالتزام بأخلاقيات المهنة والمسؤولية.6.التمييز بين من يقدم رأياً شخصياً ومن يقدم تحليلاً أو استشارة مهنية.وفي النهاية، لا ينبغي أن تكون الألقاب وسيلة للوجاهة الاجتماعية أو اكتساب النفوذ، بل يجب أن تكون وصفاً حقيقياً لمسيرة صاحبها وكفاءته واختصاصه.فالمجتمع الواعي لا يقيس الإنسان بما يضعه أمام اسمه من ألقاب، وإنما بما يقدمه من علم وخبرة وعمل وأثر.الألقاب تُمنح بالاستحقاق، لا بالمجاملة؛ والتخصص يُثبت بالممارسة والإنجاز، لا بكثرة الظهور.