هناك فرق بين أن تطوّر قطاعاً، وأن تقرر أن تضعه على خريطة المنافسة العالمية. وبين أن تسعى إلى تحقيق نتيجة جيدة، وأن ترفع سقف الطموح لتصبح من بين الأفضل عالمياً. ولعل التجربة السعودية خلال السنوات الأخيرة تقدم مثالاً واضحاً على هذا النوع من الطموح؛ فحين تضع المملكة العربية السعودية قطاعاً ضمن أولوياتها للدعم والتطوير، فإنها لا تتعامل معه باعتباره مجرد مجال يحتاج إلى التطوير، وإنما تفتح له أبواب الاستثمار والتحديث والتنافس، وتضع له أهدافاً تتجاوز الحدود المحلية، وتصل للعالمية بسرعة تدهش كل من حولهم ودعنا نستعرض بقراءة تاريخية حيادية هذه الخطوات.
ففي القطاع الصحي، نجد العديد من المستشفيات وصلت للعالمية سواء كانت مستشفيات جامعية تدرب طلبة كلية الطب والعلوم الطبية أو مستشفيات يقتصر دورها على التطبيب، ونورد هنا بعض الأمثلة، فقد أصبح مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث واحداً من أبرز الأمثلة على تطور المؤسسات الطبية السعودية. ففي تصنيف Newsweek World's Best Hospitals 2026 جاء في المرتبة 153 عالمياً، كما حقق في تصنيف Newsweek Best Specialized Hospitals: Middle East 2026 المرتبة الأولى في الشرق الأوسط في تخصصي الأورام وجراحة العظام، ولم يكن ذلك مجرد تصنيف عابر؛ فالمؤسسة حققت أيضاً إنجازات طبية متقدمة، من بينها عمليات وزراعات روبوتية وتقنيات متقدمة في العلاج الخلوي والجيني، فيما سجلت في عام 2024 رقماً قياسياً بإجراء 1,111 عملية زراعة أعضاء، واللافت أن الأمر لا يتوقف عند مؤسسة واحدة؛ ففي تصنيف Newsweek World's Best Hospitals 2025 أُدرج 40 مستشفى سعودياً، مقارنة بـ34 مستشفى في العام السابق، وفق وزارة الصحة السعودية، وهنا تظهر الفكرة بوضوح: عندما يصبح تطوير الصحة هدفاً استراتيجياً، فإن الطموح لا يتوقف عند تحسين الخدمة، بل يمتد إلى بناء مؤسسات قادرة على المنافسة والتميز على المستوى الدولي. والواقع أن هناك العديد من المستشفيات السعودية وصلت للعالمية، وتحولت لبيوت خبرة تستقطب الأطباء من مختلف بلاد العالم ليتربوا فيها، ويعودوا لأوطانهم مكتسبين خبرات متميزة.
ويتكرر المشهد نفسه في قطاع التعليم العالي. فـجامعة الملك فهد للبترول والمعادن تحتل المرتبة 63 عالمياً في QS World University Rankings 2027، كما حافظت على المرتبة الأولى في تصنيف QS للجامعات العربية لعام 2026. كما جاءت جامعة الملك سعود في المرتبة 107 عالمياً، وفق تصنيف QS العالمي 2027، بينما جاءت جامعة الملك عبدالعزيز في المرتبة 200. ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في ترتيب الجامعات فحسب، وإنما فيما تعكسه من اهتمام بالبحث العلمي والسمعة الأكاديمية والتوظيف والشراكات الدولية والابتكار ونقل المعرفة، وهي مؤشرات تدخل في تقييمات التصنيفات العالمية. وهكذا يصبح التعليم العالي جزءًا من مشروع أكبر: أن تنتقل الجامعة السعودية من أداء دورها التعليمي إلى المشاركة في إنتاج المعرفة والمنافسة الأكاديمية عالمياً وصناعة الأثر.
ومثال آخر شهدناه في السنوات الأخيرة، حيث ركزت السعودية على تطوير قطاع السياحة المحلية. ففتحت المملكة أبوابها للسياحة الدولية، والاستثمار في الوجهات والمواقع التاريخية والطبيعية والثقافية، وإطلاق مشروعات سياحية ضخمة، حوّل القطاع إلى أحد محركات التنمية. وفي عام 2024 استقبلت السعودية 17.5 مليون سائح دولي، بزيادة 10% عن 2023 و73% مقارنة بعام 2019. والأهم أن هذا التحول انعكس في المؤشرات الدولية؛ فقد ارتفعت السعودية في مؤشر تطوير السفر والسياحة للمنتدى الاقتصادي العالمي من المرتبة 50 عالمياً في 2019 إلى المرتبة 41 في 2024، مسجلة تحسناً بنسبة 5.7%، وكانت واحدة من الاقتصادات مرتفعة الدخل التي سجلت أكبر تحسن في المؤشر خلال تلك الفترة.
من هنا يمكن فهم التجربة السعودية بعيداً عن الأرقام المجردة. فالمسألة ليست أن قطاعاً تحسن هنا أو مؤسسة تقدمت هناك، وإنما أن هناك فلسفة تقوم على رفع سقف الطموح في عمليات التنمية في جميع القطاعات لتكون التنمية المستدامة صفة أصيلة في الحضارة السعودية المعاصرة، ولتصل السعودية للعالمية في أهم القطاعات الحيوية
إنها حكاية وطن لا يريد أن يكون حاضراً في المشهد فحسب، وإنما يريد أن يكون فاعلاً ومنافساً وصانعاً للأثر، وفي اليوم الوطني السعودي، ربما لا يكون الاحتفال بما تحقق هو وحده المعنى؛ فالأجمل أن نتأمل تلك السواعد التي تقف خلف الإنجاز سواعد أصحاب الهمم، الذين لا يضعون أهدافهم عند حدود الممكن، بل يرفعونها نحو القمة. فحين يكون الطموح شامخاً يصبح الطريق إليه أكثر تحدياً، فالسعودية بلغة القمة بالهمة والإصرار. وكل عام والسعودية الشقيقة تعلو وتسمو.