لكلِّ عصرٍ مِعيارٌ تُوزَنُ به القوّة، ولكلِّ قوّةٍ أداةٌ إذا ملكتها الأممُ اتّسع لها المدار؛ فكان السيفُ يوماً عنوانَ اقتدار، ثم صار المدفعُ ميزانَ انتصار، ثم غدا النفطُ عصبَ صناعةٍ ونفوذٍ وازدهار، حتى أقبل زمانٌ صغُرت فيه الأداةُ وعظُم الأثر؛ فإذا الرقاقةُ أدقُّ من أن تُرى، وأخطرُ من أن تُهمَل، تحمل في جوفها علماً واقتصاداً ودفاعاً وابتكاراً، وتضع في يد من يتحكّم بها طرفاً من خيوط القرار. فكأنّ القوة انتقلت من صليل الحديد إلى صمت الحوسبة، وبقيت الحقيقة: من ملك أسباب القوة أحسن الاختيار، ومن أحسن الاختيار صان القرار.
ومن عجيب شأن هذا العصر أن تُنفق الدول الأموال أنهاراً، وتشيّد مراكز الحوسبة أبراجاً، ثم يبقى بعض أمرها معلّقاً برقاقةٍ يصنعها غيرها، أو منظومةٍ يملك مفتاحها سواها؛ فإن أُجيزت اتّسع المجال، وإن مُنعت ضاق المسار، وإن اشترط مورّدها شرطاً دخل الشرط مع الرقاقة إلى قلب القرار. فليست السيادة أن تشتري الآلة، بل أن تملك علمها؛ إذ ما نفع بابٍ من ذهب إن كان مفتاحه في يد الجار؟
ولقائلٍ أن يقول: فما بالُنا نملك المالَ والطاقةَ والأرض، ثم لا نملك الرقاقة؟ والجواب أنها لا تُصنع بالمال وحده؛ بل بعلمٍ يتراكم، وخبرةٍ تتوارث، وصناعةٍ ترفد صناعة، ومهندسٍ يقف وراء مهندس، حتى تكون الرقاقة آخرَ السلسلة لا أولَها، وثمرةَ المنظومة لا بذرتَها. فالطريق إليها لا يبدأ من باب المصنع، بل من باب الجامعة، ولا يبدأ بشراء الآلة، بل بصناعة العقل، ولا يُختصر بقرار، بل يُبنى بمسار؛ ولأن حلقاته موزّعة بين دولٍ وشركاتٍ ومختبرات، فإن من يملكها لا يملك تجارةً فحسب، بل يملك معها قدراً من التأثير والاختيار.
وهنا يخرج أمر التقنية من سوق التجار إلى مجلس القرار؛ فما عادت الرقاقة سلعةً ينقضي أمرها بالشراء، بل غدت وراءها شروطٌ ومصالحُ ومحاورُ واستقطاب. فالآلة قد تأتي في صندوق، ولكن معها معيار، والرقاقة قد تعبر الحدود في شحنة، ولكن خلفها قرار، وما يبدأ في مصنع بعيد قد ينتهي أثره حيث تُعقد التحالفات ويُحسم المسار.
وقد علّمت تجاربُ الدول أن السيادة لا تُصان بالانغلاق، كما لا تُحفظ بالارتهان؛ وإنما تُبنى بحسن الموازنة ودقة الاختيار. فالدولة الرشيدة تأخذ من العالم ما يقوّيها، وتزرع في أرضها ما يكفيها، وتُحسن التحالف من غير ذوبان، وتُجيد التعاون من غير ارتهان، فلا تجعل الانفتاح تبعية، ولا تجعل الاستقلال عزلة، حتى يبقى القرار وطنيّاً، والمسار سياديّاً، والاختيار لها لا عليها.
ومن هنا يجيء الامتحان الجديد؛ فليس الحصيف من يختار بين شرقٍ وغربٍ اختيارَ التابع، وإنما من يجعل مصلحة وطنه أصلَ الاختيار؛ لأن الشراكة التي تزيد القدرة مكسب، أما التي تنتقص حرية القرار فقيدٌ وإن صيغ من ذهب، وارتهانٌ وإن تسمّى استثماراً.
أما طريقُ الخروج، فلا يبدأ بالقفز إلى آخر السلم، بل بصعود درجاته؛ نُنشئ العقول قبل المصانع، ونبني قدرةً في تصميم الرقائق، ونوسّع البحث والتطوير، ونوطّن الاختبار والتغليف والصناعات المساندة، ثم نمضي إلى التصنيع حيث تتوافر الخبرة والطلب. فليس المطلوب أن نصنع كل شيء دفعةً واحدة، بل أن نملك من كل حلقة ما يزيد قدرتنا، ويقلّل تبعيتنا، ويوسّع خيارنا؛ حتى تصبح الشراكة جسراً إلى الاقتدار، لا باباً إلى الانتظار.
ولعمري، إن السيادة في عصر الذكاء الاصطناعي لا تُقاس بعدد الرقائق التي تُشترى، وإنما بالقدرة على أن تجعل التقنية أداةً في يدك، لا أن تجعل نفسك رهينةً في يد التقنية. فمن امتلك الآلة ولم يمتلك قرارها، ملك ظاهر القوة وفاته جوهر الاقتدار؛ ومَن ملك قراره ملك اختياره، ومَن ملك اختياره ملك مساره، ومَن ملك مساره دخل المستقبل شريكاً في صناعته، لا تابعاً ولا رهين انتظار.