توجد قاعدة علمية جيدة مضمونها أن الحرارة والرطوبة والليالي الحارة قد تؤثر في المزاج والصبر والتركيز وجودة العمل، وهذا مهم بصورة خاصة في دول الخليج العربي، خصوصاً تلك القريبة من المناطق البحرية؛ فالخليج العربي يقع في حزام التصحر وفي نفس الوقت هو محاصر ببحر الخليج العربي، وبحر العرب، والبحر الأحمر، والبحر الأبيض المتوسط. ولكن يلزم الحذر من تحويل ذلك إلى صورة نمطية من نوع «الخليجي أقل ابتساماً بسبب الحر». إن العلم يدعم تغيّر احتمالات بعض السلوكيات تحت الإجهاد الحراري، وليس وجود شخصية مناخية ثابتة لشعب ما.

- كيف يمكن للطقس أن يغيّر مزاج الخليجيين؟ في الخليج العربي، لا تعمل الحرارة منفردة، ففي أشهر الصيف قد يجتمع ارتفاع الحرارة مع الرطوبة والإشعاع الشمسي وحرارة الليل، ومع ارتفاع الرطوبة تقل كفاءة تبخر العرق، فيزداد العبء الحراري على الجسم. وإذا استمر ذلك ليلاً، فقد تتأثر جودة النوم؛ وفي اليوم التالي يمكن أن يظهر التعب وضعف التركيز وانخفاض القدرة على تحمل الضوضاء أو الانتظار أو الحديث الطويل.

- هل نصبح أسرع غضباً في الحر؟ هناك دليل وبائي على ارتباط الحرارة المرتفعة بزيادة بعض أشكال السلوك العدواني، لكنه لا يعني أن الحر يجعل كل فرد عدوانياً؛ فمراجعة منهجية حديثة لحوالي 83 دراسة وجدت أن ارتفاع متوسط الحرارة قصير المدى بمقدار 10 درجة مئوية ارتبط إحصائياً بزيادة خطر جرائم العنف بنحو 9%، وفي المقابل، وجدت مراجعة تجريبية أخرى أن تأثير درجة الحرارة في السلوك الاجتماعي أو العدواني ليس ثابتاً في التجارب، ما يؤكد أن السياق والعوامل الاجتماعية مهمة جداً.

وفي مثال إقليمي، فقد حللت دراسة بيانات من 29 دولة ومنطقة في الشرق الأوسط الكبير بين 1997 و2021، ووجدت ارتباطات بين درجات الحرارة العالية القصيرة المدى وارتفاع حدوث عدة أنواع من النزاعات الجماعية، وهذه علاقة إحصائية على مستوى السكان وليست دليلاً على أن الحرارة وحدها سببت كل حالة.

- لماذا يقل الصبر ويزداد «الضجر السريع» في الجو الحار والرطب؟ هذا ربما أقرب إلى ما نلاحظه في الحياة اليومية، فالإنسان الذي يشعر بالحر والتعرق والعطش والإرهاق يمتلك موارد أقل للتركيز على مهمة طويلة أو محادثة تحتاج إلى انتباه. وتشير دراسة نوعية حديثة ضمن مراجعة للحرارة والصحة النفسية إلى أن المشاركين وصفوا أثناء الحر الشديد زيادة التهيج والإرهاق، وصعوبة التركيز، وانخفاض الدافعية والإنتاجية، ولكن هذه أوصاف ذاتية ولا ينبغي تحويلها إلى نسب محددة للمجتمع الخليجي من دون دراسات محلية. ولهذا يمكن علمياً تصور أن شخصاً يقف في الخارج في أغسطس قد يكون أقل استعداداً لمحادثة طويلة من الشخص نفسه في مساء لطيف من ديسمبر؛ ليس لأن شخصيته تغيرت، وإنما لأن حالته الفسيولوجية المؤقتة تغيرت.

- الابتسامة والتفاعل الاجتماعي في الجو الحار والرطب: هنا ينبغي أن نكون أكثر حذراً؛ فلا توجد، حسب الأدلة التي تم الاطلاع عليها، قاعدة علمية قوية تسمح بالقول إن الخليجيين يبتسمون أقل بسبب الطقس، لكن توجد آلية غير مباشرة معقولة وهي "إذا زادت الحرارة زاد الشعور بعدم الراحة والتعب والتهيج"، فقد تقل الرغبة في البقاء طويلاً في الخارج أو التفاعل الاجتماعي الممتد، وهذا مختلف تماماً عن القول إن الحرارة "تمنع الابتسامة". وفي مراجعة تجريبية للعلاقة بين الحرارة والسلوك الاجتماعي هناك نتائج متباينة، لم يوجد أثر موثوق عام لدرجة الحرارة في السلوك الاجتماعي الإيجابي أو السلبي.

- الملل من الرياضة والحركة في دول الخليج العربي صيفاً: هنا التأثير الفيزيولوجي يكون أكثر وضوحاً؛ فأثناء الرياضة في الحر، يحتاج الجسم في الوقت نفسه إلى إرسال الدم إلى العضلات وإلى الجلد للتخلص من الحرارة، مع فقد الماء والأملاح بالتعرق، ولذلك ترتفع الكلفة الفسيولوجية للمجهود نفسه. فالإنسان قد يشعر بأن المشي أو الجري في يوليو وأغسطس وسبتمبر أصعب بكثير من النشاط نفسه في يناير وفبراير، حتى إذا لم تتغير لياقته، وهذا قد يفسّر انخفاض الرغبة في النشاط الخارجي في الصيف، وليس بالضرورة "الكسل".

- تأثير الحر على الإتقان في العمل: في تحليل للدراسات المهنية وجد أن نحو 30% من العمال الذين شملتهم الدراسات أبلغوا عن خسائر في الإنتاجية أثناء أو في نهاية نوبات العمل تحت الإجهاد الحراري. كما تشير بعض الدراسات العلمية إلى وجود ارتباط الأداء المهني مع الحرارة والرطوبة، فهما سبب في تراجع الأداء والإنتاجية وبعض جوانب الإدراك.

وفي الأعمال الذهنية أيضاً توجد إشارات مهمة، فمراجعة لحوالي 17 دراسة عن الحرارة داخل أماكن العمل وجدت أن سرعة الاستجابة وسرعة معالجة المعلومات كانتا من الوظائف الأكثر حساسية لارتفاع الحرارة، وإن كانت النتائج بين الدراسات غير متطابقة تماماً، وهذا يجعل المسألة أكبر من «مزاج سيئ». فقد ينتقل التأثير من عدم الراحة، إلى تشتت الانتباه، إلى بطء معالجة المعلومات، وبالتالي إلى زيادة احتمالات الخطأ وانخفاض جودة الإنجاز.

- أمثلة عالمية مثيرة للاهتمام: لا يقتصر الأمر على الخليج العربي، فقد دُرست العلاقة في آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا ومناطق استوائية وشبه استوائية، وتوصلت مراجعة حديثة (22 دراسة) إلى أن الحرارة الشديدة ارتبطت بزيادة بعض مؤشرات اضطرابات المزاج والحاجة إلى الخدمات الصحية النفسية، مع اختلاف واضح في التأثير باختلاف العمر والجنس والمكان والظروف الاجتماعية. وفي بيئات العمل عالمياً، وجدت مراجعة ضخمة (111 دراسة من 30 دولة وأكثر من 40 مهنة) آثاراً واضحة للإجهاد الحراري في الصحة والإنتاجية.

- تأثر مواطني دول الخليج العربي بالجو هي حالة علمية خاصة: هنا أرى سؤالاً بحثياً مهماً جداً، وهو هل التكيف الطويل مع المناخ الخليجي يقلل التأثير، أم أن الرطوبة العالية والليالي الحارة تعيد زيادته؟ التكييف غيّر المعادلة أيضاً؛ فالموظف في مكتب مكيَّف لا يتعرض لما يتعرض له عامل في الهواء الطلق، كما أن الانتقال من 40 درجة مئوية أو أكثر في الخارج إلى بيئة مكيفة يختلف جذرياً عن التعرض المستمر للحرارة. لذلك لا أتوقع علمياً وجود علاقة بسيطة من نوع «كلما ارتفعت الحرارة درجة واحدة ازداد الغضب بنسبة معينة» لدى الخليجيين. والأرجح أن العلاقة تمر عبر الحرارة المحسوسة، والرطوبة، والنوم، والتعرض الفعلي للحر، ونوع العمل، والعمر، والحالة الصحية، والتكيف مع المناخ. وأنوه ها هنا إلى أن الحرارة لا تغيّر أخلاق الإنسان، لكنها قد تغيّر مؤقتاً مقدار الطاقة والانتباه والصبر المتاح له.

- شكر خاص لمواطن بحريني مخلص: كلمة تقدير إلى الأخ بدر بن عبدالعزيز كانو، على كريم تواصله واهتمامه بما تم نشره الأسبوع الماضي عن تأثير الطقس على المزاج البحريني، حيث استفسر عن كيفية إنجاز الدراسة المقترحة في المقال، واستعداده تمويل تلك الدراسة، وإمكانية وضع مؤشر للمزاج البحريني (الخليجي) بحسب درجة الحرارة والرطوبة والهباء وغير ذلك. وسوف أتناول الأسبوع القادم بإذن الله مقالاً عن كيف يؤثر الطقس على المزاج، وكيف يتم قياس تغيّر المزاج بسبب الطقس؟ أستاذ الفيزياء التطبيقية