هناك فكرة تتكرر كثيراً في النقاش حول الذكاء الاصطناعي، تقول إن كثرة التنظيم قد تعطل الابتكار، وإن الدول التي تضع القيود ستخسر السباق أمام الدول التي تترك للشركات مساحة أكبر للحركة، تبدو الفكرة منطقية للوهلة الأولى، لكن ما يحدث في الصين يجعلها تستحق إعادة النظر.
فالصين لديها واحدة من أكثر البيئات التنظيمية صرامة في التعامل مع الخوارزميات والذكاء الاصطناعي التوليدي، ووضعت قواعد تتعلق بالمحتوى والبيانات والأمن وتسجيل بعض الخوارزميات وتقييم المخاطر، ومع ذلك استمرت شركاتها في التقدم، حتى أشار تقرير جامعة ستانفورد للذكاء الاصطناعي لعام 2026 إلى أن الفجوة في أداء أفضل النماذج الأمريكية والصينية وصلت في مارس الماضي إلى 2.7% فقط.
هذه المفارقة مهمة، لأنها تقول إن المشكلة قد تكون في نوع التنظيم وطريقته أكثر من وجود التنظيم نفسه، وأعتقد أن هذا النقاش يعنينا في البحرين أكثر مما نتصور.
فالمملكة أطلقت سياستها الوطنية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في يوليو 2025، ووضعت ضمن مبادئها بقاء القرار النهائي في المسائل المهمة تحت السيطرة البشرية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بحقوق الأفراد والمجتمع، وهي قاعدة تبدو بسيطة على الورق، وستصبح شديدة الأهمية مع توسع استخدام هذه التقنيات داخل المؤسسات.
الذكاء الاصطناعي اليوم يكتب ويحلل ويختصر ويقترح، والقادم سيمنحه صلاحيات أكبر في تنفيذ المهام والتعامل مع الأنظمة واتخاذ إجراءات نيابة عنا، وهنا تتغير طبيعة المسألة بالكامل.
فإذا استخدمت جهة حكومية نظاماً ذكياً لدراسة الطلبات، أو استخدم بنك خوارزمية في تقييم عميل، أو استعانت شركة تأمين بنظام يحدد مستوى المخاطر، فإننا نتحدث عن تقنية أصبح لقرارها أثر مباشر في حياة الناس، وعند الخطأ، تبدأ المسؤولية.
من اختبر النظام؟ ومن أجاز استخدامه؟ ومن راجع البيانات التي يتعلم منها؟ ومن يستطيع إيقافه؟ ومن يتحمل القرار في النهاية؟
لهذا أرى أن البحرين تحتاج خلال المرحلة المقبلة إلى تطوير ذراع رقابية متخصصة في الذكاء الاصطناعي، ويمكن أن نسميها مجازاً «البنك المركزي للذكاء الاصطناعي» كما أطلق عليها بعض الكتاب والمختصين حول العالم.
والفكرة هنا في الوظيفة أكثر من الاسم، فكما توجد جهة تراقب القطاع المالي، وتضع قواعده، وتفحص المخاطر، وتعرف متى تحتاج السوق إلى مساحة للابتكار ومتى تحتاج إلى تدخل، أصبح الذكاء الاصطناعي بحاجة إلى خبرة رقابية مماثلة، خصوصاً عندما تستخدمه الجهات في القرارات الحساسة.
ولدينا تجربة بحرينية تساعدنا على فهم هذه الفكرة، مصرف البحرين المركزي أطلق البيئة الرقابية التجريبية للتكنولوجيا المالية منذ عام 2017، وسمح للشركات باختبار حلول جديدة ضمن إطار رقابي واضح، ثم تطورت أدواته الرقابية حتى أصبحت عمليات التفتيش تشمل استخدام الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي لدى الجهات المرخصة.
وهذا نموذج مهم بالنسبة لنا؛ التقنية تتحرك، والرقابة تتحرك معها، ولذلك يمكن تطبيق الفكرة على نطاق أوسع، بحيث تصنف تطبيقات الذكاء الاصطناعي بحسب مستوى خطورتها، برنامج يساعد الموظف على تلخيص تقرير يحتاج ضوابط تختلف عن نظام يطلع على قاعدة بيانات حكومية، والخوارزمية التي تقترح صياغة بريد إلكتروني تختلف مسؤوليتها عن خوارزمية تشارك في قرار مالي أو صحي أو إداري يمس شخصاً بعينه.
وسنحتاج كذلك إلى سجل واضح للأنظمة المستخدمة في الجهات الحكومية، واختبارات دورية للأنظمة ذات المخاطر العالية، وآلية للإبلاغ عن الأخطاء، وقواعد تحدد مسؤولية المورد والجهة والموظف، والأهم أن يعرف المواطن متى دخل الذكاء الاصطناعي في قرار يتعلق به، وأن يجد طريقاً واضحاً للاعتراض والمراجعة البشرية.
ميزة البحرين أنها تستطيع بناء مثل هذا النموذج مبكراً، فلدينا دولة صغيرة نسبياً، وبنية رقمية متقدمة، وتجربة تنظيمية قوية، ومؤسسات تستطيع التنسيق بصورة أسرع من دول كثيرة.
الذكاء الاصطناعي سيعطينا الكثير، وسندخله أكثر في أعمالنا وخدماتنا خلال السنوات المقبلة، وهذا أمر طبيعي ومطلوب، لكن السرعة وحدها لا تصنع الريادة، فالريادة الحقيقية أن نعرف كيف نستخدم هذه القوة، ومن نعطيها الصلاحية، ومن يراقبها، والأهم أن يبقى الإنسان حاضراً عندما يحين وقت تحمل المسؤولية.