استوقفني إعلان وزارة شؤون البلديات والزراعة الداعي إلى الإبلاغ عن مخالفات الرفق بالحيوان.

قد يبدو الإعلان إجراءً تنظيمياً، لكنه بالنسبة لي حمل معنى أكبر؛ لأنه يذكرنا بمسؤوليتنا تجاه مخلوقات تعيش بيننا، تشعر بالجوع والعطش والخوف والألم، لكنها لا تستطيع أن تشكو، أو تطرق باباً.

ويؤلمني ما ظهر مؤخراً على مواقع التواصل الاجتماعي من مقاطع لأشخاص يسيئون معاملة حيوان، أو يطاردونه ويرعبونه، أو يعذبونه بدافع التسلية أو بحثاً عن مشاهدات، لكن الأكثر إيلاماً ربما ما لا نراه، فكم من حيوان يتألم بعيداً عن عدسات الهواتف، وكم منها يمرض أو يجوع أو يتعرض للأذى بصمت، ولا يجد من ينتبه إليه؟

ومن هنا تأتي أهمية تكثيف الجهود الرسمية والأهلية لحماية الحيوانات، ليس فقط من خلال استقبال البلاغات ومحاسبة من يسيء إليها، وإنما عبر نشر ثقافة الرفق بها، والتأكيد على أن اقتناءه مسؤولية أخلاقية تبدأ بالطعام والماء والعلاج، وتمتد إلى توفير بيئة آمنة من دون أذى.

وقد وضع ديننا هذه المسألة في مكانها الأخلاقي منذ قرون، ففي الحديث أن امرأة سقت كلباً فغفر الله لها بذلك، وجاء في حديث آخر «في كل كبد رطبة أجر»، فإذا كان سقي حيوان باباً للأجر والمغفرة، فكيف يمكن أن يتحول إيذاء الحيوان إلى مادة للتسلية؟

لست أكتب عن هذا الأمر من باب التعاطف النظري فقط، فمنذ أن دخلت قطة إلى حياتي، واصبحو ١٢ تغيرت لدي أشياء كثيرة في فهم العلاقة بين الإنسان والحيوان، في البداية قد تتعامل معها باعتبارها حيواناً أليفاً يعيش معك في المنزل، ثم تصبح جزءاً من تفاصيل يومك؛ تنتظر عودتك، تعرف خطواتك، وتجلس بقربك في لحظات الصمت، حتى تشعر أحياناً أن وجودها يقول ما لا تستطيع الكلمات قوله.

وشيئاً فشيئاً تشعرك بأن هناك روحاً أخرى تشاركك تفاصيل يومك، وهذا الشعور تؤيده دراسات علمية تشير إلى أن وجود الحيوانات الأليفة يمكن أن يوفر دعماً عاطفياً ورفقة، ويسهم لدى بعض الأشخاص في الحد من الشعور بالعزلة والضغط النفسي.

لهذا أعتقد أن قضية الرفق بالحيوان أكبر من مجرد منع الإساءة إليه، إنها في جانب منها اختبار لإنسانيتنا، فطريقة تعاملنا مع الكائن الأضعف، الذي لا يستطيع الدفاع عن نفسه أو المطالبة بحقه، تقول شيئاً مهماً عن أخلاق المجتمع وقيمه.

والقرآن الكريم اختصر هذه العلاقة في تعبير بالغ الجمال «وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم».

أمم أمثالكم؛ ربما لو استحضرنا هذه الكلمات كلما رأينا قطة جائعة، أو كلباً عطشاناً، أو طائراً مصاباً، لما احتجنا في كثير من الأحيان إلى قانون يذكرنا بأن الرحمة ليست خياراً، بل جزءاً من إنسانيتنا.