على سفح جبل ناءٍ في جبال الأورال، تقف بوابة عسكرية تحرسها القوات على مدار الساعة، فيما يقود الطريق خلفها إلى واحدة من أكثر المنشآت الروسية سرية.
وبحسب تحقيق مشترك أجرته صحيفة «ذا صنداي تايمز» ومجموعة «دان ووتش» الإعلامية الدنماركية و«دوسيه سنتر»، باستخدام تقنيات الصحافة مفتوحة المصدر، أعادت روسيا إحياء برنامج نووي يعود إلى حقبة الحرب الباردة، يهدف إلى ضمان القدرة على شن ضربة نووية انتقامية في حال تعرض البلاد لهجوم.
ويتركز البرنامج حول منشأة ضخمة تحت الأرض في جبل كوسفينسكي كامين بجبال الأورال، تحمل الاسم الرمزي «المنشأة 1335»، وتضم مركز قيادة محصناً صُمم للصمود أمام هجمات تستهدف المنشآت المدفونة في أعماق الأرض.
وتشير نتائج التحقيق إلى تنفيذ أعمال بناء واسعة في الموقع خلال السنوات الماضية، شملت إنشاء مجمعات جديدة تحت الأرض، إلى جانب تعزيز أنظمة الطاقة والتهوية والاتصالات والحماية، فيما تظهر وثائق المشتريات وصور الأقمار الصناعية نشاطاً عسكرياً وإنشائياً مكثفاً.
«اليد الميتة».. نظام للرد النووي
تقع المنشأة قرب قرية كيتليم النائية، عند سفح جبل كوسفينسكي كامين الغرانيتي، على ارتفاع نحو 1300 قدم فوق مستوى سطح البحر.
وبدأ الوجود العسكري في المنطقة خلال ثمانينيات القرن الماضي، في ذروة المخاوف السوفيتية من اندلاع حرب نووية مع الولايات المتحدة.
وفي تلك الفترة، طوّر الاتحاد السوفييتي نظاماً للقيادة والسيطرة النووية عُرف باسم «بيريميتر»، وأطلق عليه الغرب اسم «اليد الميتة».
وكان الهدف من النظام ضمان قدرة روسيا على نقل أوامر الرد النووي حتى في حال تعرض مراكز القيادة الرئيسية لهجوم وانقطاع الاتصال بها.
واختير جبل كوسفينسكي كامين لاحتضان إحدى المنشآت المرتبطة بالنظام، تحت اسم «المنشأة 1335».
ووفقاً للخبراء، كان النظام يعتمد على قنوات اتصال احتياطية قادرة على إرسال إشارات إلى منصات إطلاق صواريخ متنقلة، والتي يمكنها بدورها نقل أوامر مشفرة إلى صوامع الصواريخ التي تبقى قادرة على العمل بعد أي هجوم.
وقال بافل بودفيغ، خبير نزع السلاح النووي لدى الأمم المتحدة ورئيس مشروع «القوات النووية الروسية»، إن «بيريميتر» هو في الأساس نظام اتصالات، هدفه ضمان القدرة على نقل أمر الرد في حال تعرضت البلاد لهجوم.
إحياء المشروع بعد الحرب الباردة
يُعتقد أن المنشأة الموجودة تحت جبل كوسفينسكي كامين دخلت في حالة خمول بعد انتهاء الحرب الباردة، إلا أن التحقيق يشير إلى أن موسكو أعادت تطويرها بالتزامن مع تصاعد مخاوفها من تهديدات عسكرية غربية.
وبحسب التحقيق، شُيد ملجأ ضخم جديد تحت الأرض، فيما وصف مسؤول عسكري روسي رفيع المستوى المنشأة 1335 بأنها الموقع الذي «ستؤدي فيه قوات الصواريخ الاستراتيجية مهمتها التاريخية المتمثلة في الانتقام من أي عدو».
وحصل التحقيق على ملايين الصفحات من العقود والمخططات ووثائق المناقصات، إضافة إلى صور للأقمار الصناعية، تكشف حجم أعمال البناء التي شهدها الموقع.
مئات الملايين ومعدات ضخمة
كشف تحليل نحو 2.5 مليون وثيقة وسجل روسي عام، جمعتها «دان ووتش» مطلع عام 2024، عن برنامج بناء ضخم بلغت تكلفته ما يعادل مئات الملايين من الجنيهات الإسترلينية.
وتظهر بيانات المشتريات أن موسكو بدأت منذ عام 2018 شراء معدات ثقيلة للحفر واختراق الصخور، وأنظمة لتهوية المناجم، ووحدات لتنقية الهواء من الملوثات الكيميائية والبيولوجية والنووية، إضافة إلى أنظمة تكييف مقاومة للزلازل وكميات كبيرة من الفولاذ والأنابيب والكابلات والخرسانة.
وشملت المشتريات عشرات منصات الحفر والجرافات والحفارات والشاحنات القلابة، فيما استخدم المشروع نحو ثلاثة ملايين لتر من الوقود و823 ألف لتر من الغاز.
كما جرى شراء نحو 20 ألف طن من الفولاذ، أي ما يعادل نحو ثلاثة أضعاف وزن برج إيفل.
وتشير وثائق المناقصات إلى وجود ما لا يقل عن 24 حجرة تحت الأرض مجهزة بأنظمة للهواء المضغوط، فيما تبلغ المسافة بين المخرج الرئيسي ومخرج الطوارئ نحو 2.5 كيلومتر.
وقدّر بير غولتيرمان، الأستاذ في معهد تكنولوجيا البناء والميكانيكا بالجامعة التقنية الدنماركية، أن كمية الخرسانة المستخدمة تكفي لبناء مساحة سطحية لا تقل عن 150 ألف متر مربع، واصفاً المشروع بأنه «هائل».
توسعة واسعة للمنشأة
تشير سجلات المشتريات إلى أن أكبر مراحل الإنفاق وقعت بين عامي 2020 و2021.
وفي عام 2020 وحده، استخدم المقاولون نحو 361.4 كيلومتراً من الكابلات، و5429 مصباحاً، و30 محولاً كهربائياً، و160 وحدة تهوية، و648 أداة حفر.
وتظهر العقود انتقال المشروع تدريجياً من مرحلة حفر الأنفاق إلى أعمال الإنشاء، ثم تركيب أنظمة التهوية والطاقة والتجهيزات الداخلية.
كما أظهرت صور الأقمار الصناعية عالية الدقة نشاطاً مكثفاً في الموقع، مع ظهور أكوام ضخمة من التربة المستخرجة على سفح الجبل وشق طريق جديد باتجاه المنشأة.
وتشير الأبحاث إلى أن الجبل كان يضم في الأصل ثلاثة مداخل، فيما توحي مواقع البناء الجديدة بإمكانية إنشاء مداخل إضافية.
ويرى خبراء أن بعض المؤشرات المرتبطة بأعمال البناء ربما ظهرت بصورة تسمح لأجهزة الاستخبارات برصدها، بما يتوافق مع مفهوم الردع النووي وإظهار القدرة على البقاء والرد.
بوتين يعيد التأكيد على أهمية المنشأة
ظهرت إحدى أبرز الإشارات الرسمية إلى تطوير منظومة القيادة والسيطرة النووية الروسية عام 2020، عندما نشر الكرملين محضر اجتماع بين الرئيس فلاديمير بوتين وكبار المسؤولين العسكريين.
وخلال الاجتماع، ناقش بوتين إنشاء نظام يضمن استمرار عمل البنية التحتية للقيادة والسيطرة النووية في حال تعرضها لهجوم.
وقال بوتين إن قدرة هذه الأنظمة على البقاء ومواصلة العمل «في ظروف القتال» تمثل عاملاً مهماً، مشيراً إلى أن إنشاء منشأة آمنة للتحكم في القوات النووية الاستراتيجية يقترب من الاكتمال، وأنها ستتمتع «بهامش أمان مرتفع جداً».
ومنذ ذلك الحين، تزايدت المخاوف الروسية بشأن قدرة الولايات المتحدة على استهداف المنشآت المحصنة في أعماق الأرض، خصوصاً مع تطوير قنابل خارقة للتحصينات.
وقال توم روسيث، الخبير في السياسة الأمنية الروسية بالكلية الحربية النرويجية، إن أعمال التوسعة تبدو مرتبطة بمحاولة حماية المنشأة من أنواع مختلفة من الهجمات، ما يستدعي، وفق تقديره، الحفر إلى أعماق أكبر وتعزيز التحصينات.
وأضاف أن توسعة المنشأة تأتي في أعقاب تحديث واسع للقوات النووية الروسية، وأن نظام «بيريميتر» قد يحظى بأولوية أكبر في ظل التوتر الجيوسياسي المتزايد بين روسيا والغرب.
صور نادرة للقاعدة
وبسبب السرية التي تحيط بالمنشأة 1335، لم يتمكن التحقيق من الحصول على صور من داخل الملجأ، الذي يُعتقد أنه يمثل هدفاً لجمع المعلومات الاستخباراتية من جانب الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا.
وتفرض السلطات الروسية قيوداً على استخدام الهواتف والكاميرات في الموقع، إلا أن التحقيق تمكن من العثور على صور للقاعدة نشرها جنود روس عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وتظهر إحدى الصور بوابة دخول ضخمة شُيدت داخل الجبل، بينما تظهر صورة أخرى المدخل الأصلي للمنشأة من مسافة بعيدة، مع برج مزود برشاش فوق مبنى قريب.
كما عُثر على صور يُعتقد أنها تظهر أجزاء من الأنفاق الداخلية، رغم عدم تمكن التحقيق من التحقق بشكل مستقل من صحة بعضها.
وتتطابق بعض تفاصيل الأنفاق الظاهرة مع مواصفات واردة في وثائق البناء، والتي تشير إلى أن ارتفاع وعرض بعضها يتراوح بين أربعة وعشرة أمتار، فيما تتراوح مساحة المقاطع العرضية لأنفاق أخرى بين 20 و60 متراً مربعاً.
قاعدة عسكرية متطورة
وتظهر الصور الجوية والصور المنشورة على الإنترنت أن القاعدة العسكرية شهدت تحولاً كبيراً، من موقع ناءٍ كانت تقيم فيه وحدات من المجندين الشباب في منشآت محدودة، إلى مجمع عسكري حديث مخصص للعمليات الاستراتيجية طويلة الأمد.
ويخضع الجنود المتمركزون في الموقع لتدريبات قتالية وتمارين متخصصة وعروض عسكرية رسمية، فيما تظهر بعض الصور أفراداً يرتدون أقنعة واقية ومعدات للحماية.
كما تظهر صور أخرى أماكن إقامة عسكرية مزينة بملصقات تتضمن مشاهد لإطلاق الصواريخ الباليستية واختبارات الأسلحة الاستراتيجية.
وبينما تبقى الوظيفة الدقيقة للمنشآت الجديدة محاطة بالسرية، تشير الوثائق وأعمال البناء والصور المتاحة إلى أن موسكو استثمرت موارد كبيرة في تعزيز بنية القيادة والسيطرة النووية تحت الأرض، في إطار مساعيها للحفاظ على قدرة الردع النووي في حال تعرضت لهجوم واسع.