بنيامين نتنياهو سياسي برع في توظيف التهديدات الأمنية لتبرير سياسات حكوماته المُتعاقبة، بل شكل ذلك جزءاً من بنية سياسية أعاد من خلالها تعريف التنافس السياسي داخل إسرائيل. فمنذ سنوات، وهو يقدّم البيئة الإقليمية باعتبارها تهديداً وجودياً متواصلاً، لا مجموعة أزمات منفصلة يمكن احتواؤها أو التفاوض بشأنها. وبهذا التصور، تصبح إسرائيل دولة محاصرة بصورة دائمة، ويغدو الأمن أولوية مطلقة تتقدم على المساءلة، والتسوية، وإعادة تقييم الخيارات السياسية.

وتكتسب هذه السردية أهمية خاصة في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة. فبعد أحداث 7 أكتوبر، كان من المفترض أن تتحول الانتخابات إلى مناسبة لمحاسبة الحكومة على الإخفاق الأمني والسياسي الذي سمح بوقوع الهجوم، وعلى طريقة إدارة الحرب ونتائجها. غير أن نتنياهو يسعى إلى نقل النقاش من سؤال المسؤولية إلى سؤال القيادة. أي؛ من هو الأقدر على حماية إسرائيل في مواجهة التهديدات المتصاعدة؟ وبذلك، ينتقل من موقع المسؤول عن الإخفاق إلى موقع القائد الأقدر على مواجهة الأخطار المُتنامية.

هذه النقلة ليست مجرد مناورة انتخابية عابرة، بل تقوم على إعادة صياغة الوعي السياسي الإسرائيلي. فحين يُقدَّم الخطر بوصفه دائماً وشاملاً، يصبح تغيير القيادة محفوفاً بالمخاطر، حتى لو كانت القيادة نفسها طرفاً في الأزمة. ويُدفع الناخب إلى الاختيار تحت ضغط الخوف، لا على أساس تقييم السياسات والنتائج. كما يصبح الاعتراض على الحكومة قابلاً للتصوير باعتباره إضعافاً لما اصطلح عليه إسرائيلياً بـ»الجبهة الداخلية» أو تشكيكاً في القدرة على الردع.

ويخدم هذا الخطاب أقصى اليمين الإسرائيلي بوجه خاص، لأنه يحول القضايا السياسية إلى قضايا وجودية. فالتفاوض لا يعود خياراً، بل تراجعاً أمام العدو؛ والانسحاب لا يُناقش في ضوء كلفته ومكاسبه، بل يُقدَّم بوصفه تهديداً وجودياً لأمن الدولة. أما التسوية السياسية فتُتهم بالسذاجة أو بالتفريط. وبهذه الطريقة، لا تجري المنافسة حول البدائل السياسية بقدر ما تجري حول من يمتلك خطاباً أكثر تشدداً في تعريف الخطر والتعامل معه.

وتحتل الأرض موقعاً مركزياً في هذه البنية. ففي حديث نتنياهو عن هضبة الجولان، لم يقتصر الأمر على تقديمها باعتبارها موقعاً استراتيجياً، بل وصفها بأنها «هبة إلهية». وينقل هذا التعبير الجولان من مجال القانون الدولي والمُفاضلات السياسة إلى مجال القداسة، فيحوّل السيطرة عليها إلى حق مطلق لا يخضع للتفاوض. أما في الضفة الغربية، فتتداخل المبررات الأمنية مع مفاهيم دينية وتاريخية تتصل بـ«أرض إسرائيل»، بحيث يُعاد تقديم السيطرة والاستيطان باعتبارهما حماية للهوية القومية، لا سياسة قابلة للنقد والمراجعة.

وتمنح هذه الصياغة نتنياهو مادة انتخابية مزدوجة، فهو يظهر حامياً للأرض من جهة، وحارساً للهوية من جهة أخرى. وبذلك تتصل الجبهة الخارجية بالصراع الداخلي. فكلما جرى توسيع تعريف الأراضي الحيوية والتهديدات المحيطة، اتسعت الحاجة وفق هذا الخطاب إلى القيادة القوية والمستمرة، وتراجع مجال النقاش حول المسؤولية السياسية والبدائل الممكنة.

لكن هذه الاستراتيجية تحمل تناقضاً أساسياً. فالإبقاء على المجتمع في حالة تعبئة دائمة قد يعزز تماسكاً مؤقتاً، لكنه لا يعالج أسباب الإخفاقات التي كشفتها أحداث 7 أكتوبر. كما أن تحويل كل تهديد إلى خطر وجودي يطمس الفروق بين الدفاع المشروع، والرد العسكري، والسياسات التوسعية. وعندما يصبح الأمن معياراً مطلقاً، تفقد الانتخابات جزءاً من وظيفتها الديمقراطية. إذ لا يعود الناخب يقيّم الحكومة بحسب نجاحاتها، بل يُطلب منه أن يختارها باعتبارها خياره الأوحد في مواجهة الأخطار الوجودية.

ومن المرجح أن تتأثر الانتخابات المقبلة بهذه البنية الخطابية على مستويين. الأول هو إعادة ترتيب أولويات الناخبين، بحيث تتراجع قضايا الاقتصاد والخدمات والمؤسسات أمام الأمن والحرب. والثاني هو إضعاف قدرة المعارضة على بناء خطاب بديل. إذ قد تجد نفسها مضطرة إلى تبني أجزاء من خطاب نتنياهو الأمني بدلاً من تفكيكه، خشية اتهامها بالضعف. وهكذا لا يضمن نتنياهو استمرار نفوذه عبر إقناع الجميع بسياساته، بل عبر تحديد الإطار الذي يُسمح داخله بمناقشة السياسة.

لذلك، لن تكون الانتخابات المقبلة استفتاءً على أداء الحكومة وحده، بل اختباراً لقدرة المجتمع الإسرائيلي على الخروج من منطق الخطر الدائم. فإذا بقي التهديد الوجودي هو المرجعية الأساسية للاختيار، فقد تتحول الانتخابات إلى آلية لإعادة إنتاج السلطة والسياسات ذاتها. أما إذا أُعيد فتح النقاش حول المسؤولية، والاحتلال، وحدود القوة، ومستقبل العلاقات مع الفلسطينيين ودول المنطقة، فقد تصبح الانتخابات فرصة لمراجعة أعمق من مجرد تغيير الائتلاف الحاكم. والسؤال المركزي لن يكون فقط؛ هل ينجح نتنياهو في البقاء؟ بل هل ينجح في إبقاء إسرائيل أسيرة المعادلة التي رسخها. أي أن الخوف يبرر توظيف القوة المُفرطة، وأن القوة تحمي الأرض، والأرض تثبت الهوية، والهوية تمنح القيادة حصانة من المساءلة؟ وهنا تحديداً يتوقف المعنى السياسي الحقيقي للانتخابات المقبلة.