أهم ما أشار إليه معالي وزير الداخلية الفريق أول الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة في حديثه مع السلطة التشريعية، بيانه بأن «وكلاء الولي الفقيه الموالين لإيران كانوا يعملون من أجل تحقيق الهيمنة على الشارع الشيعي في البحرين، ومحاولة دخول المؤسسات، بما في ذلك السلطة التشريعية، مما استدعى وقفة حازمة لحماية أمن المجتمع ومؤسساته الوطنية».
ولمن يكابر من العملاء والأذيال ومرتزقة إيران -وهم يعرفون الحقيقة أصلاً- لهؤلاء نقول بأن القضية ليست قضية طائفة، مثلما تحاولون بكل يأس الترويج لها، بل هي قضية «مواطنة"، وهذه الكلمة التي تعصف بكم، لأنكم «انسلختم" عنها منذ زمن بعيد.
قبل أشهر، وتحديداً في 12 مايو، قال الشيخ راشد إن «ولاية الفقيه" تحولت إلى مشروع سياسي عابر للحدود، وتحدث عن تنظيم مرتبط بالحرس الثوري، وفكر ولاية الفقيه حاول اختطاف الإرادة الوطنية داخل الطائفة الشيعية، وفي الوقت نفسه شدد على أن الشيعة في البحرين مكون أصيل في ماضي البلد وحاضره ومستقبله، وأنهم أقدم من ولاية الفقيه ولهم مرجعياتهم المتعددة.
لسنوات طويلة كان الخطاب الذي يأتي من الخارج يحاول تقديم البحريني الشيعي وكأنه يحتاج إلى من يتحدث باسمه، ويحدد له موقفه السياسي، ويرسم علاقته بالدولة، ويخبر العالم بما يريد وما يرفض. والمشكلة في مثل هذا النموذج ليست مذهبية فقط، بل وطنية وسياسية أيضاً؛ لأن أول ما يفعله هو سلب الإنسان حقه الفردي في أن يكون مواطناً قبل أن يكون رقماً في جماعة.
وإذا كانت تحقيقات الدولة وإجراءاتها قد استهدفت شبكات وأشخاصاً ارتبطوا بالحرس الثوري الإيراني وفكر ولاية الفقيه وقضايا تخابر وتعاطف مع الهجمات الإيرانية، فإن أهم ما ينبغي عدم السماح بضياعه وسط لغة الأمن والسياسة هو أن هؤلاء لا يجوز أن يتحولوا إلى عنوان لطائفة كاملة. وزارة الداخلية نفسها قالت ذلك صراحة، كما أكدت أن الممارسات التي تحقق فيها «لا تعكس المواقف والروح الوطنية ومحبة وأصالة المجتمع البحريني المتماسك".
هناك فرق بين أن تواجه مواطناً بسبب مذهبه، وأن تواجه فعلاً محدداً يمس أمن البحرين وسيادتها ويخضع للقانون والتحقيق والقضاء. وخلط الاثنين هو بالضبط ما تحتاجه أي جهة تريد تحويل قضية أمن قومي إلى صراع مذهبي.
المواطنة الصحيحة لا تطلب من الإنسان أن يتخلى عن مذهبه، ولا عن معتقده، ولا عن مرجعيته الدينية. لكنها تضع حداً واضحاً عندما يتحول الدين إلى قناة ولاء سياسي خارج الحدود، أو حين تستخدم الهوية المذهبية لإعطاء جهة خارجية حقاً في التدخل بين المواطن ودولته.
لمصلحة من يريدون استعادة النفوذ القديم أن تتحول كل مواجهة قانونية معهم إلى قصة «دولة ضد طائفة». لأن نجاحهم الحقيقي ليس في الإفلات من المحاسبة، بل في استعادة حق مزعوم في التحدث باسم آلاف المواطنين الذين لم يفوضوهم أصلا للحديث باسمهم.
هنا تكمن أهمية ما جرى خلال الأعوام الماضية. كلما اتسعت مساحة المواطن الفرد، تقلصت سلطة الوكيل. وكلما استطاع البحريني أن يدخل البرلمان، ويعمل في الدولة، ويمارس حياته، ويختلف ويتفق باسمه هو، تراجع المشروع الذي يحتاج دائماً إلى إقناعه بأنه لا يستطيع مواجهة الدولة إلا من خلال قيادة مذهبية سياسية.
أما الحرب الأخيرة، فقد وضعت المسألة أمام اختبار أكثر قسوة. إذ حين تتعرض الدولة لهجمات مباشرة، يصبح السؤال عن الولاء أكثر حدة، لكنه يجب أن يصبح أكثر دقة أيضاً. لا يجوز أن يتحول إلى امتحان مذهبي أو عرقي أو اجتماعي. المعيار الأبسط والأوضح هو السلوك، هل يقف الإنسان مع بلده حين يتعرض للخطر؟! هل يحترم القانون؟! هل يمتنع عن تقديم العون لجهة تعتدي على وطنه؟! هذه أسئلة دولة، لا أسئلة طائفة.
اليوم أهم ما يجري في البحرين هو «استعادة مفهوم المواطن "من كل من حاول احتكاره. والدولة مطالبة بأن تحمي مواطنيها من التصنيف. وهنا تحديداً يصبح قول وزير الداخلية إن الشيعة «مكون أصيل في ماضي وحاضر ومستقبل هذا البلد" أكثر من عبارة تطمين، هي المعيار الذي ينبغي أن تقاس به المرحلة كلها.
المعركة الحقيقية ليست بين السنة والشيعة، ولا ينبغي السماح لأحد بأن يصنعها كذلك. المعركة بين فكرة تقول إن المواطن ملك لوطنه ولنفسه ولقناعته، وفكرة أخرى تريد أن تجعل انتماءه المذهبي جواز مرور لمشروع سياسي عابر للحدود.
الأولى تبني دولة. والثانية تبحث دائماً عن وكيل داخلها. وفي البحرين أثبتت بلادنا أن أبناءها لا يحتاجون إلى وكلاء ولا «ولي فقيه» ليعيشوا في أوطانهم، ويمارسوا وطنيتهم وفق ميزان الحقوق والواجبات.