لو سألت البعض، خاصة ممن لا يتابعون عن كثب منافسات بطولة العالم للفورمولا واحد، لو سألتهم إن كانوا يعلمون بأن جائزة البحرين الكبرى للفورمولا واحد ستبدأ غداً الجمعة، سيتجه تفكيرهم بديهياً تجاه منطقة الصخير، والزحام المؤدي إلى حلبتنا الجميلة، والسيارات التي ستملأ الطرق، والجماهير التي ستبدأ في الوصول إلى بلادنا.

لكن المفارقة عند هذا البعض، وأكرر ممن لا يتابعون البطولة بجميع جولاتها، المفارقة حينما ستقول له بأنك حتى تحضر لسباق جائزة البحرين، عليك أن تسافر أكثر من ستة آلاف كيلومتر تقريباً، حتى تصل إلى حلبة سيبانغ في ماليزيا!

نعم، في ماليزيا، هناك ستقام جائزة البحرين الكبرى للفورمولا واحد من الثاني إلى الرابع من أكتوبر، وهناك سيظهر اسم البحرين على جدول بطولة العالم للفورمولا واحد، رغم أن السباق نفسه لا يقام على أرض البحرين.مفارقة جميلة، وربما غير مسبوقة بالنسبة للكثيرين منا.

السباق البحريني الذي تعذّر إقامته في موعده الأصلي في أبريل بسبب الظروف التي عاشتها المنطقة، والاعتداءات الإيرانية الآثمة، سباقنا لم يختفِ من روزنامة البطولة. الحل كان مختلفا تماماً، إذ احتفظت البحرين بسباقها واسمه ووجوده على جولات بطولة العالم، لكنها نقلت السباق إلى ماليزيا، وتحديداً إلى حلبة سيبانغ، هذه الحلبة العريقة التي أحيتها البحرين بعد أن غابت عن روزنامة الفورمولا واحد منذ عام 2017.

هذا نتيجة اتفاق ذكي بين البحرين وماليزيا والاتحاد الدولي للسيارات وطبعاً شركة الفورمولا واحد. وبالأصح هو تحدٍّ أقدمت عليه البحرين، وأثبتت مؤشراته الأولى من خلال الاستعداد والجهوزية بأن البحرين بكوادرها وشبابها على قدر التحدي، وأن أجواء الصخير موجودة الآن في ماليزيا بنكهة بحرينية خالصة.

أتذكر عندما دخلت البحرين عالم الفورمولا واحد عام 2004 بفضل رؤية «عراب» رياضة السيارات لدينا، صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، يومها كان السؤال الذي يتردّد: ماذا ستستفيد البحرين من هذا السباق تحديداً؟!

منذ الاستضافة الأولى، وما سبقها من تهافت عالمي لمعرفة البحرين وموقعها وكيف شكلها وما هي تفاصيلها وأجواؤها وكيف هم أهلها، وطبيعة حلبتها الصحراوية، اتضحت التداعيات الإيجابية، طبعاً إن كنا نتحدث عن السمعة العالمية، فما بالكم بالعوائد المختلفة من وراء استضافة هذا الحدث العالمي.

مرت اثنتان وعشرون سنة، وربما جاءت الإجابة هذا الأسبوع بصورة لم يكن أحد يتوقعها قبل شهور، وتحديداً خلال فترة الاستعداد لاستضافة سباقنا مطلع العام. نعم السباق غادر البحرين جغرافياً، لكن اسم البحرين لم يغادر السباق فعلياً.

هذه هي قيمة الأشياء التي تبنيها الدول لسنوات حتى تصبح جزءاً من صورتها في العالم. في البداية يكون لديك حدث تستضيفه، وبعد سنوات يصبح الحدث نفسه مرتبطاً باسمك.

اليوم لا تقول الفورمولا واحد إنها عادت إلى ماليزيا لإقامة «جائزة ماليزيا الكبرى». اسم السباق الرسمي هو «جائزة البحرين الكبرى»، لكن في ماليزيا. والأجمل أن الماليزيين أنفسهم سيعودون إلى مشاهدة سباق الفورمولا واحد على حلبتهم للمرة الأولى منذ تسع سنوات، لكن تحت اسم البحرين، وبفضل البحرين.

حتى ناقلتنا الوطنية «طيران الخليج» وهي الراعي الأساسي للجائزة المقترنة باسمها، بدأت رحلاتها المباشرة بين البحرين وكوالالمبور، بالتزامن تقريباً مع الحدث، في فرصة للبحرينيين أيضاً للتواجد وحضور سباقهم الذي يقام للمرة الأولى بهذه الطريقة غير المألوفة، ليحضروا السباق الذي يحمل اسم البحرين والذي تحدى الأوضاع والظروف الراهنة.

عادة نقيس نجاح الأحداث الكبرى بعدد الزوار، ونِسَب إشغال الفنادق، وحجم الإنفاق، والعوائد الاقتصادية المباشرة. وهي كلها مهمة بالتأكيد. لكن هناك عائداً آخر لا يظهر بسهولة في الجداول. أن يتحول اسم بلدك إلى «علامة» يعرفها الناس.

ملايين المتابعين حول العالم سيشاهدون نهاية هذا الأسبوع السباق في سيبانغ، وستظهر أمامهم كلمة البحرين. لن يروا حلبة الصخير الجميلة، ولن يكونوا في البحرين، لكن اسم البحرين سيكون هناك.

كل ما يرفع اسم بلدنا نفتخر ونعتز به، كل حدث يجعل العالم يقف احتراماً وإعجاباً بالبحرين وأبنائها يجعلنا نشعر بالفخر. وهذا الشعور الطبيعي التلقائي لكل من يحب هذا الوطن، ويفرح لرؤية اسمه يتردد صداه حول العالم.