اصطدمت ذخيرة روسية سوداء اللون بمبنى هيئة رئاسة الأكاديمية الوطنية للعلوم في أوكرانيا، وهو مبنى تاريخي يعود إلى الحقبة القيصرية في وسط كييف، ما أدى إلى اندلاع حريق داخله. واضطر ناجون إلى الخروج عبر النوافذ والتشبث بحواف المبنى هرباً من النيران والدخان الأسود الكثيف، فيما قُتل شخصان في الهجوم وفقاً للسلطات الأوكرانية.
وبعد نحو ساعة، أصابت ذخيرة مماثلة عيادة طبية خاصة على بعد بضعة مبانٍ من الموقع وفق ما أفادت السلطات الأوكرانية.
«غيران-5» أسرع وأصعب في الاعتراض
وتعد الطائرة المسيّرة النفاثة «غيران-5» أحدث محاولة روسية لاستهداف كييف.
وتتميز «غيران-5» بحجمها الصغير وهيكلها الأنبوبي الذي يشبه الصواريخ أكثر من الطائرات المسيّرة، كما أنها تحلق على ارتفاعات أعلى وبسرعة أكبر، ما يجعل إسقاطها أكثر صعوبة.
وقال مهندس كبير يعمل لدى شركة متعاقدة في مجال الدفاع، متحدثاً شريطة عدم الكشف عن هويته بسبب حساسية عمله، إن «غيران-5» تمثل هدفاً أصعب بكثير للاعتراض مقارنة بـ«غيران-4» أو أي من الطائرات المسيّرة الروسية السابقة.
وأضاف أن الفرق المتخصصة تعمل على مواجهة التحدي من 4 أو 5 زوايا مختلفة في الوقت نفسه.
وأوضح المهندس أن «غيران-5» أسرع من «غيران-4» بنحو 150 كيلومتراً في الساعة، ما يجعل الهدف هو اعتراضها من الأمام بدلاً من الخلف، وهو تحدٍ أكثر صعوبة.
كل ساعة توقف تكلف الاقتصاد الأوكراني 45 مليون دولار
وقال وزير الاقتصاد أولكسندر كرافتشينكو لصحيفة «الغارديان» إن روسيا تحاول «تدمير الاقتصاد بأكمله تقريباً»، مدعياً أن إنذارات الغارات الجوية تكلف الاقتصاد الأوكراني 45 مليون دولار عن كل ساعة تتوقف فيها الشركات عن العمل.
وشهد الأسبوع الماضي غارات جوية استمرت لأكثر من 20 ساعة مجتمعة خلال يوم واحد.
وقال كرافتشينكو إن ما لم تكن أوكرانيا تتوقعه بالكامل هو السرعة التي ستطور بها روسيا هذه الطائرات المسيّرة النفاثة وتستخدمها لاستهداف كل شيء.
روسيا توسع إنتاج الطائرات النفاثة
وتعمل روسيا على زيادة عدد الطائرات المسيّرة النفاثة المستخدمة في هجماتها على كييف بسرعة.
وقال العقيد يوري إهنات، رئيس إدارة الاتصالات في قيادة القوات الجوية، إن الطائرات النفاثة تشكل أحياناً ثلثي جميع الطائرات المسيّرة التي تطلقها روسيا خلال اليوم.
وتقدر الاستخبارات الأوكرانية أن روسيا قادرة حالياً على إنتاج 3 آلاف طائرة مسيّرة نفاثة من طرازي «غيران-4» و«غيران-5» شهرياً، فيما تسعى موسكو إلى زيادة هذا الرقم سريعاً.
وبحسب الحكومة الأوكرانية وتحليلات مستقلة لحطام طائرات مسيّرة سقطت، يحتوي كل من «غيران-4» و«غيران-5» على عدد كبير من المكونات الغربية.
أوكرانيا تعترف بصعوبة إسقاطها
وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في خطاب مساء 28 سبتمبر إن أوكرانيا تسقط حالياً 57% فقط من الطائرات المسيّرة النفاثة، واصفاً النسبة بأنها «أقل بكثير مما هو مطلوب».
وأصبحت الأساليب التي طورتها أوكرانيا وأتقنتها للتعامل مع الطائرات المسيّرة الروسية الأقدم، ذات المحركات المكبسية، مثل فرق الدفاع الجوي المتنقلة والطائرات الاعتراضية المسيّرة، غير كافية لمواجهة الجيل الجديد.
«غيران-5» تقترب من تصميم صاروخ كروز
تختلف «غيران-5» بشكل واضح عن الطائرات المسيّرة الأقدم. فطائرتا «غيران-3» و«غيران-4» النفاثتان تتمتعان بهيكل ديناميكي هوائي على شكل جناح دلتا، شبيه بالطائرات الروسية الأقدم «غيران-1» و«غيران-2» ذات المحركات المكبسية والمشتقة من نماذج إيرانية.
أما «غيران-5» فتقترب في تصميمها من صاروخ كروز تقليدي، ما يمنحها سرعة قصوى أعلى.
وقال فابيان هوفمان، الباحث الرئيسي في المعهد النرويجي للدراسات الدفاعية، إن «غيران-5» تشبه بدرجة أكبر صاروخ كروز منخفض التكلفة مقارنة بطائرة مسيّرة بعيدة المدى من مشتقات «شاهد» الأصلية.
وأوضح أن صاروخ كروز منخفض التكلفة يقع في منطقة وسطى بين الطائرات المسيّرة الروسية بعيدة المدى والرخيصة ذات المحركات المكبسية، وبين صواريخ كروز والصواريخ الباليستية المكلفة والمتطورة.
تكلفة أعلى لكن أقل بكثير من الصواريخ التقليدية
وتعد «غيران-5» أغلى من النماذج الأقدم ذات المحركات المكبسية، إذ تبلغ تكلفة محركها التوربيني النفاث المستورد من الصين وحده نحو 40 ألف دولار، بينما تقدر التكلفة الإجمالية للطائرة بنحو 115 ألف دولار، مقارنة بنحو 30 ألف دولار للنماذج الأقدم.
وقال هوفمان إن أكبر نقاط الضعف ربما تتمثل في عدم قدرة روسيا حتى الآن على إنتاج المحرك بكميات كبيرة محلياً واعتمادها على الواردات الصينية.
ورغم ذلك، تظل تكلفة «غيران-5» جزءاً بسيطاً من تكلفة صاروخ كروز تقليدي، ما يسمح لروسيا بإنتاجها وإطلاقها بأعداد كبيرة، رغم أن قدرتها التدميرية أقل من صواريخ كروز التقليدية.
وتقدر الاستخبارات العسكرية الأوكرانية أن الطائرة تحمل رأساً حربياً يزن نحو 90 كيلوغراماً، مقارنة برأس حربي يزن 480 كيلوغراماً لصاروخ «9M728 إسكندر-ك» المطلق من الأرض، والذي تبلغ تكلفته نحو 1.5 مليون دولار للصاروخ، أو صاروخ «Kh-101» الجوي الذي يمكن أن يحمل رأساً حربياً يصل وزنه إلى 800 كيلوغرام وتبلغ تكلفته نحو مليوني دولار.
سباق جديد في تطوير الطائرات الاعتراضية
ومع تصاعد موجات الهجمات بالطائرات النفاثة، قال سيرهي ستيرنينكو، مستشار حرب الطائرات المسيّرة لوزير الدفاع الأوكراني السابق ميخايلو فيدوروف، إنه لا يوجد حالياً نظام اعتراض فعال منتج بكميات كبيرة.
وأضاف أن هناك نماذج أولية أظهرت نتائج مختلفة، لكن نقل النموذج الأولي إلى الإنتاج الواسع يتطلب جهوداً كبيرة، وقد يكون مستحيلاً أحياناً بسبب محدودية الوصول إلى بعض المكونات.
ومن بين النماذج التي أثبتت قدرتها، طائرة «STING S» الاعتراضية التي تنتجها شركة «Wild Hornets»، وطائرة «P1-SUN Jetkiller» التي تنتجها «SkyFall»، وقد تأكد نجاحهما في إسقاط عدد محدود من طائرات «غيران-5».
كما تطور شركة «Quantum WIY Industries»، وهي فرع أوكراني لشركة «Quantum Systems» الألمانية للدفاع، نموذجاً آخر. وأظهر مقطع فيديو نشرته الشركة إحدى طائرات «SPYS» وهي تنجح في اعتراض «غيران-5» فوق أوكرانيا.
وتعمل «SPYS» بمحركات مروحية، وتتيح محركاتها الخاصة للطائرة زيادة سرعتها لفترات قصيرة إلى 600 كيلومتر في الساعة، مقابل تقليص مدة بقائها في الجو، بهدف اعتراض «غيران-5» الأسرع.
وقال سفن كروك، الرئيس التنفيذي المشارك لشركة «Quantum Systems»، إن شركات أخرى تعمل أيضاً على حلول مماثلة لتطوير الطائرات الاعتراضية.
وأضاف أنه يأمل في رؤية نتائج هذه الشركات خلال الأسابيع المقبلة، متوقعاً أن تتمكن أوكرانيا خلال فترة تتراوح بين 4 و8 أسابيع من استعادة قدر أكبر من السيطرة على المجال الجوي.
أوكرانيا تطور طائرات اعتراضية نفاثة
وبالتوازي مع تطوير الطائرات الاعتراضية ذات المحركات المروحية، تعمل أوكرانيا على تطوير جيل جديد من الطائرات الاعتراضية النفاثة.
ودخل أول نموذج، «Alexa Spatium»، الخدمة في 21 أغسطس، وفقاً لوزارة الدفاع الأوكرانية.
كما تطور جهاز الأمن الأوكراني «SBU» طائرة اعتراضية نفاثة أخرى ذات جناح دلتا، أعلن عنها زيلينسكي في 19 سبتمبر، ونشر مقطع فيديو يظهر نجاحها في إسقاط طائرة «غيران-5».
وتعمل «Quantum Systems» أيضاً على تطوير طائرة اعتراضية نفاثة، أطلقت عليها اسم «SPICE»، وقال كروك إنها مصممة لمواجهة طائرات «شاهد» النفاثة.
ويرى هوفمان أن تصميم الطائرات الاعتراضية النفاثة لا يزال في مرحلة التطور، لكنه يتوقع أن تتمكن أوكرانيا من الوصول إلى مرحلة متقدمة فيه.
وأشار إلى أن المشكلة الرئيسية تتمثل في اعتماد أوكرانيا بدرجة أكبر على الولايات المتحدة وأوروبا وتايوان والصين للحصول على محركات نفاثة، في ظل عدم إنتاجها هذه المحركات محلياً، ما يعني أن زيادة الإنتاج ستتطلب إمدادات خارجية مستقرة ومتنامية، أو إنشاء منشآت إنتاج مرخصة لإنتاج المحركات بكميات كبيرة داخل أوكرانيا.