أ.د. عايشة بنت محمد بن حمود الراجحي

في ظل المتغيرات البيئية والتحديات الناجمة عن التوسع الصناعي المتزايد، تتجه الأنظار اليوم نحو الطروحات والحلول العلمية الحديثة التي تدمج بين علم الأحياء الدقيقة وتقنيات النانو الحديثة، بهدف مواجهة التلوث وتسريع معالجة التربة والمياه بطرق مبتكرة وأكثر كفاءة.

وبعيداً عن الحلول المؤقتة التي تلامس القشور، ينصب الاهتمام العلمي اليوم على الشبكة المجهرية للتفاعلات الحيوية والجزيئية. وفي قلب هذه الشبكة، تقف الكائنات الدقيقة كصانع فارق في التوازن البيئي؛ فهي وإن خفتت رؤيتها بالعين المجردة، تملك أثراً عظيماً في تفكيك الملوثات، وتنقية المياه، وضمان استدامة الأنظمة الطبيعية.

ويبرز هذا التوجّه العلمي قيمة التكامل بين مجالات الأحياء الدقيقة والتقنية الحيوية والتقنية النانوية؛ حيث تستطيع أنواع محددة من البكتيريا مثل Pseudomonas وBacillus والفطريات مثل Aspergillus وTrichoderma إنتاج إنزيمات فائقة القدرة على تفكيك المركبات العضوية المعقدة والمخلفات النباتية والصناعية.

ومع تطور أجهزة التسلسل الجيني الحديثة مثل Illumina وOxford Nanopore، أصبح بمقدور الباحثين قراءة البصمة الوراثية للمجتمعات الميكروبية مباشرة، مما يتيح التنبؤ بدقة بكفاءة المعالجة الحيوية واستجابتها للملوثات والمخاطر البيئية، بدلاً من الاقتصار على الملاحظة التقليدية.

وقد أضافت التقنية النانوية بُعداً جديداً لمجالات المعالجة؛ إذ تتميز الجسيمات النانوية بمساحة سطحية كبيرة وقدرة عالية على التفاعل، مما يعزز تفكيك المركبات المعقدة وامتصاص المعادن الثقيلة. وتدمج هذه القدرات مع الإنزيمات والكائنات الدقيقة لتشكيل ما يُعرف بـ«المعالجة الحيوية النانوية»، وهي خطوة تعزز الذكاء البيئي في تدوير النفايات وتحويلها إلى موارد نافعة كطاقة حيوية وأسمدة، تجسيدًا لمفهوم الاقتصاد الحيوي الدائري.

كما تظهر التطبيقات الحديثة في التعامل مع مياه الصرف الصحي والكشف المبكر عن الملوثات المعقدة -مثل المواد الكيميائية شديدة الثبات (PFAS) والميكروبلاستيك- باستخدام تقنيات رصد دقيقة مثل المجسات الحيوية وتقنية CRISPR للتشخيص السريع للجينات المقاومة للمضادات الحيوية.

ويؤكد الخبراء والباحثون أن مستقبل معالجة التلوث لن يستند إلى الحلول الميكانيكية والكيميائية المعتادة وحدها، بل إلى مفاعلات حيوية أكثر كفاءة ومواد نانوية أكثر أمانًا ومجسات إنذار مبكر. ورغم هذه الآفاق الواعدة، يُشدد العلماء على ضرورة التعامل بحذر علمي؛ إذ يجب التأكد من انخفاض السمية واستعادة جودة البيئة بالكامل لضمان عدم حدوث آثار جانبيّة غير محسوبة.

وتشكل هذه الثورة التكاملية جسراً يتصل فيه المختبر بالبيئة الواقعية، مما يفتح الباب أمام مستقبل أكثر أماناً واستدامة يعتمد على الذكاء البيئي والحلول العلمية القابلة للتطبيق على نطاق واسع.

* أستاذ الأحياء الدقيقة البيئية والتقنية الحيوية - قسم الأحياء - كلية العلوم - جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن