انطلق الاحتفاء باليوم العالمي للسياحة هذا العام تحت الشعار الرسمي الذي أطلقته منظمة السياحة العالمية تحت عبارة «الأجندة الرقمية والذكاء الاصطناعي لإعادة تصميم السياحة»، جاء ذلك في كلمة ألقاها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في مُستهل الاحتفالات الرسمية، التي استضافتها مدينة سيرف سيتي في دولة السلفادور.
كلمة حملت رسالة بلورت في طيّاتها مدلول وأبعاد هذا الشعار، كان مفادها أن الذكاء الاصطناعي يُغير طريقة اختيار المسافرين للوجهات، وتشغيل المؤسسات السياحية، وتصميم التجارب، مع ضرورة أن تكون هذه التكنولوجيا شاملة وتخدم العاملين والمجتمعات المحلية والوجهات الناشئة.
بذلك، يكون شعار هذا العام معنيّاً بتسليط الضوء على الكيفية التي تُحدث بها تقنيات الذكاء الاصطناعي والبرامج الرقمية تغييراً جذريّاً في طريقة اختيار المسافرين لوجهاتهم، وتصميم تجارب السفر، وإدارة المقاصد السياحية. كما يهدف إلى تعزيز المهارات الرقمية لدى العاملين والشركات الصغيرة في القطاع السياحي، وضمان أن تكون التكنولوجيا في خدمة الإنسان والتنمية المستدامة، وألا تُترك الوجهات الناشئة أو المجتمعات المحلية خلف الركب.
ومما لا شك فيه أن هذه القضايا الرئيسية لا بد أن تحظى بحيّز من الاهتمام، شأنها في ذلك شأن مختلف القطاعات الأخرى، ولا سيما في ظل التسارع الكبير الذي تشهده التكنولوجيا، وبصفة خاصة تقنيات الذكاء الاصطناعي والبرامج الرقمية، التي باتت تؤدي دوراً متنامياً وفاعلاً في مختلف المجالات والقطاعات.
غير أن التحديات الأكبر والأكثر تعقيداً تتمثل في المخاطر الأمنية الناجمة عن النزاعات والحروب، والتي تعوق النشاط السياحي، وتتسبب في اضطرابات في حركة الطيران والمجال الجوي، وترفع كلفة النقل وأسعار التذاكر، بما قد يؤدي إلى تراجع الطلب السياحي، فضلاً عن زيادة الضغوط على المؤسسات والمنشآت العاملة في القطاع السياحي.
يبقى حتّى ضمن هذا الإطار بإمكان الذكاء الاصطناعي أن يؤدي دوراً حيوياً مساعدة قطاع السياحة على مواجهة الأزمات، من خلال تحليل مجموعة واسعة من البيانات، تشمل الحجوزات السابقة، وحركة الطيران، وعمليات البحث الإلكتروني، وأسعار التذاكر، والأحداث الدولية، والمواسم والعطلات، والأوضاع الاقتصادية، والظروف الجوية، واهتمامات مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي. وبناءً على هذه المعطيات، تستطيع الوجهة السياحية التنبؤ باتجاهات الطلب قبل حدوثها، واتخاذ التدابير بصورة استباقية.
فعلى سبيل المثال، إذا أظهرت البيانات انخفاضاً في الحجوزات القادمة من سوق معين نتيجة ارتفاع أسعار تذاكر الطيران، تستطيع الوجهة السياحية تكثيف حملاتها الترويجية واستهداف أسواق أخرى، بدلاً من انتظار تراجع أعداد الزوار والتعامل مع تداعياته بعد وقوعها.لكن يبقى أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد حلٍّ تقني للعديد من الإشكاليات التي تواجه القطاع السياحي، بل قد يشكّل، في الوقت ذاته، مصدراً لعدد من التحديات الجديدة. فالتحول الرقمي يطرح بدوره جملةً من التحديات، من أبرزها ما يُعرف بـ«الفجوة الرقمية»، إذ ليست جميع المؤسسات السياحية، ولا سيما الصغيرة منها، قادرة على الاستثمار في التكنولوجيا ومواكبة التطورات المتسارعة في هذا المجال.
وتبرز كذلك إشكالية حماية البيانات، في ظل اعتماد القطاع السياحي على كميات ضخمة من بيانات المسافرين والزوار. فكلما اتسعت دائرة الرقمنة، ازدادت الحاجة إلى حماية المعلومات وتعزيز الأمن السيبراني، إلى جانب ما يفرضه التحول الرقمي من تغيّر في طبيعة الوظائف والمهارات المطلوبة، الأمر الذي يجعل تدريب العاملين وإعادة تأهيلهم ضرورةً وتحديًا في الوقت ذاته.
إضافة إلى ذلك، تبرز مخاوف من أن تؤدي أنظمة الذكاء الاصطناعي غير المنضبطة إلى توجيه السياح نحو عدد محدود من الوجهات والمنصات، بما قد يترك وجهات أخرى خارج دائرة الاهتمام. ومن ثم، فإن المطلوب في مواجهة التحديات والأزمات ليس بناء سياحة أكثر اعتماداً على التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي فحسب، وإنما بناء سياحة أكثر توازناً، تقوم على الإدارة الفاعلة للأزمات، والموازنة بين توظيف التكنولوجيا والاستثمار في العنصر البشري، وتوفير بيئة آمنة ومستقرة، بما يضمن تحقيق الاستدامة والحفاظ على البعد الإنساني للسياحة.