أوردَ شهابُ الدين النّويري في كتابه «نهايةُ الأرب في معرفة فنون الأدب» باباً تحت عنوان: «ذِكرُ ما قِيل في الغَدر والخِيانة» ذكرَ فيه أنهّما مِنْ أقبح الأخلاق؛ لما فيهما مِنْ نقض العهود وخيانةِ الأمانات، وساقَ آياتٍ وأحاديث وأمثالاً وقصصاً تاريخية تؤكّد سوء عاقبة الغادر والخائن، الذي يمتدّ ضرره إلى واقع الناس وحياتهم اليومية.
فممّا لا شكّ فيه أنّ مِنْ أشدّ التجارب إيلاماً أن تمنَح ثقتك لمن لا يستحقها، أو تعتمدَ على من لا يرحم حاجتك، أو تأتمن على أسرارك من لا يكتم السرّ؛ فتجده يقابل ثقتك بالخيانة، ووفاءك بالغدر، وحفظك للعهد بالخذلان والطعن في الظهر، وغير ذلك مِنْ عادات اللئام:
واحذرْ ذوي الخُلُق اللئام فإنّهمُفي النائباتِ عليكَ ممّن يَخطبُ
إنّ الغدر والخيانة، ونقض العهد، مِنَ الصفات الذميمة والخصال المشينة التي نهى عنها الإسلام؛ لما تسبّبه مِنْ ضياعٍ للثقة والمحبّة بين الناس، وهدمٍ للعلاقات، وإضعافٍ للتواصل، وتمزيقٍ للمجتمعات. وفي المقابل، يبقى الوفاء، والأمانة، والصدق، وحفظ العهود والمواثيق، مِنْ مناقب الأنبياء والصالحين، وصفات العظماء والمصلحين، ومِنْ أعظم أسباب نيل مرضاة الله تعالى والقرب منه.
والناظر في ظاهرة الخيانة يدرك أنها انحراف عن القيم والمبادئ، وطعنة لا تصيب العلاقة الطيبة وحدها، بل تترك أثراً عميقاً في القلب؛ فالغادر قد يهدم في لحظةٍ واحدةٍ ما بُني عبر سنوات من الثقة والمودّة.
غدرتَ بأمرٍ كنتَ أنتَ دعوتَناإليهِ، وبئسَ الشيمةُ الغدرُ بالعهدِ
إن الغدر والكيد يصدران عن أشخاص لا يملكون شجاعة المواجهة، فيسلكون طريق الخداع، ونقض العهد، والتلفيق، وسوء الظن، والتنكر للمعروف، فيهدمون جسور التواصل، ويطفئون نور العِشرة، ويحوّلون أجمل العلاقات الإنسانية إلى ذكريات مؤلمة ومواقف مخيبة، ويرجع ذلك إلى ضعف الإيمان، والأنانية، واهتزاز الشخصية، وقلّة المروءة، وسوء التربية، وفساد الذوق.
وقد حذّر الإسلام من هذه الصفات الذميمة، فقال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ»، «الأنفال: 58»، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:»لكل غادرٍ لواءٌ يوم القيامة يُعرَف به»، أخرجه البخاري «6966»، وغير ذلك من النصوص العظيمة التي تبيّن خطورة النفاق وأخواته.
ولا تقف آثار الخيانة عند الفرد، بل تمتدّ إلى المجتمعات؛ فحين تضيع الأمانة، وتنتشر الخيانة، يحلّ الشك محلّ الاطمئنان، والخوف محلّ الثقة، وتصبحُ العلاقات قائمة على الحذر والارتياب بدل المحبة والاعتماد.
ومن أشدّ أنواع الخيانة خيانةُ الله ورسوله والمؤمنين؛ لأنها تتعلّق بأعظم أمانة، وتقوم على نقض ما أمر الله به من الإيمان والانقياد، والطاعة والاتباع، قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ»، «الأنفال: 27». ومنها: خيانةُ الأوطان؛ لما يترتب عليها من الإضرار بأمن الوطن ومصالحه، والغدر بأهله، والتفريط في الأمانة والمسؤولية تجاهه، ومنها: خيانة الأمانة، ونقض العهود، والغدر بالأصدقاء، والإضرار بالمسؤولية، واستغلال الثقة لتحقيق المصالح الذاتية؛ وكلها صورٌ للإخلال بالأمانة، تختلف في آثارها ونتائجها، لكنها تشترك في هدم جسر الثقة.
إِذَا أَنْتَ حَمَّلْتَ الخَؤُونَ أَمَانَةًفَإِنَّكَ قَدْ أَسْنَدْتَهَا شَرَّ مُسْنِدِ
- شمعة أخيرة:
أخلقْ بمن رَضي الخيانةَ شيْمةًألا يُرى إلا صريعَ حوادثِ