لم يعد غريباً اليوم أن تكتب لشخص رسالة تحمل شيئاً من مشاعرك، أو تسأل عنه بصدق، أو تبادر بالتهنئة أو الاطمئنان، ثم يأتيك الرد بعد ثوانٍ في صورة باقة ورد جاهزة، أو قلب أحمر، أو عبارة محفوظة تتكرر في آلاف الهواتف.
قد تكون الصورة جميلة، والورود زاهية، والعبارة منمقة، لكن يبقى سؤال مزعج:
هل هذه مشاعره فعلاً، أم أن أحداً آخر كتبها نيابةً عنه؟
هنا لا نتحدث عن الورود، وإنما عن المشاعر التي أصبحت تُدار أحياناً بالنسخ واللصق.
لقد دخلنا مرحلة أصبح فيها البعض لا يبحث عما يشعر به اتجاه الآخرين، بل عما يمكن أن يرسله لهم. لا يفكر في الكلمات التي يريد أن يقولها، وإنما يفتش في هاتفه عن صورة مناسبة للمناسبة، أو عبارة جاهزة تؤدي الغرض بأقل جهد ممكن.
وهكذا تحولت بعض العلاقات من تواصل إنساني حميم إلى ردود آلية معلبة.
تهنئة جاهزة للتهنئة، وورد جاهز للصباح، وقلوب جاهزة للمساء، وعبارات جاهزة للمواساة، وحتى الاعتذار أصبح له قالب محفوظ!
فماذا بقي من خصوصية المشاعر إذا كانت الكلمات نفسها تنتقل من هاتف إلى آخر، ومن شخص إلى آخر، دون أن تتغير إلا الأسماء؟
المشكلة ليست أن نرسل وردة إلكترونية؛ فالوردة قد تكون جميلة، وقد تحمل معنى حقيقياً إذا جاءت في مكانها وزمانها. لكن المشكلة أن تصبح الوردة ستاراً يخفي غياب الشعور، وأن يصبح إرسالها مجرد واجب اجتماعي سريع حتى نقول لأنفسنا: لقد تواصلنا!
والحقيقة أننا في كثير من الأحيان لم نتواصل، بل أرسلنا شيئاً فقط يعبر عن وصول ما أرسل إلينا.
هناك فرق كبير بين الأمرين.
التواصل الحقيقي يعني أن أقرأ كلماتك، أفهمها، أتوقف عند معناها، ثم أجيبك بما أشعر به أنا. أما أن أختار صورة من قائمة معدة مسبقاً وصلتني من شخص آخر وأضغط إرسال، فهذا قد يكون تفاعلاً تقنياً، لكنه ليس بالضرورة تواصلاً إنسانياً.
بل إن بعض الردود الجاهزة أصبحت تحمل مفارقة مؤلمة؛ فقد يكتب الإنسان رسالة شخصية جدًا، ثم يأتيه رد لا علاقة له بتفاصيل ما كتب، سوى أنه يحمل وردة وعبارة عامة تصلح لأي شخص وفي أي مناسبة.
وكأننا لم نعد نخاطب الأشخاص، وإنما نخاطب المناسبات!
نرسل «صباح الخير» لأن الصباح جاء، لا لأننا اشتقنا إلى شخص بعينه.
ونرسل «مساء الخير» لأن الوقت أصبح مساءً، لا لأن هناك إنساناً نريد أن نطمئن عليه.
ونرسل الورود لأن الهاتف اقترحها علينا، لا لأن قلوبنا قالت: أرسل وردة لهذا الإنسان.
وهنا تصبح التكنولوجيا، التي كان يفترض أن تقرب المسافات بين البشر، وسيلة أحياناً لإنتاج تواصل كثير، وعلاقة قليلة.
قد يكون الشخص حاضراً في قائمة الاتصال، لكنه غائب عن الوجدان.
وقد تصل منه عشرات الرسائل خلال العام، لكنك لا تستطيع أن تتذكر جملة واحدة قالها لك من قلبه.
وهذا هو الخطر الحقيقي.
أن تكثر الرسائل، بينما تقل المشاعر الإنسانية بيننا.
نحن بحاجة إلى أن نستعيد قيمة الكلمة الشخصية. لا نحتاج دائماً إلى نص طويل، ولا إلى عبارات أدبية فخمة. أحياناً تكفي جملة بسيطة، لكنها صادقة:
«اشتقت لك.»
«فرحت لأنك تذكرتني».
«رسالتك أسعدتني».
«كنت أفكر فيك».
«أعرف أنك تمر بوقت صعب، وأنا إلى جانبك».
هذه الكلمات، على بساطتها، قد تساوي عند المتلقي أكثر من أجمل باقة ورد إلكترونية، لأنها تحمل صوت صاحبها لا صوت المصمم الذي أعدها.
المشاعر ليست صوراً محفوظة في الهاتف، ولا ملصقات جاهزة، ولا رموزاً متداولة.
المشاعر موقف، واهتمام، وحضور، وصدق.
والوردة الحقيقية لا تكون في جمال صورتها، وإنما في اليد التي قدمتها، والقلب الذي أراد تقديمها.
لذلك، ليس المطلوب أن نتوقف عن إرسال الورود، ولا أن نخاصم التكنولوجيا، وإنما أن نتوقف عن استخدامها لتغطية الفراغ العاطفي في علاقاتنا.