لم تعد التنمية المؤسسية في عالم اليوم تقاس فقط بحجم الإنجاز، وإنما بقدرة المؤسسة على صناعة الإنسان القادر على الإنجاز، وبناء بيئة عمل تؤمن بالكفاءة، وتحتفي بالمبادرة، وتكافئ التميز، وتحول الطاقات الفردية إلى قوة جماعية تصنع الفارق.
واستلهاماً من فكرة «أنت قدها» بإصداراتها الرائعة للشباب والشابات، وليس آخراً الجونيور، وامتداداً للطرح الأول في شأن فكرة مبادرة قدها المؤسسية، التي سبق وأن تم طرحها في مقال منشور في إحدى الصحف المحلية، وعلى أثرها تم صياغة الفكرة التي تقوم على تمكين موظفي المؤسسات الحكومية، حيث إن الموظف يستحق أن يكون أيضاً قدها. ولكن برؤية أكثر شمولاً ونضجاً؛ حيث تنتقل بالفكرة من مجرد رسالة تحفيزية إلى مشروع مؤسسي وطني قابل للتطبيق، يمكن أن تتبناه مؤسسات الدولة، لدعم الكفاءات الوطنية، ويخلق مساحات جديدة للمشاركة والابتكار.
ومن هنا، تكتسب فكرة قدها التي طرحها سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة بُعداً يتجاوز كونها شعاراً محفزاً للشباب؛ فهي في جوهرها فلسفة تقوم على الثقة بالإنسان البحريني وقدرته على تحمّل المسؤولية، وصناعة الإنجاز، وترك الأثر في موقعه وتعزيز الولاء الوظيفي القائم على الولاء لهذا الوطن العظيم.
وإذا كان الموظف «قدها»، فإن الإدارة التي تمنحه الثقة والمساحة والدعم يجب أن تكون (قدها)، وإذا تكامل الموظف مع الإدارة، فإن المؤسسة بأكملها تستطيع أن تكون (مؤسسة قدها). وهنا تبدأ الفكرة في أخذ بعدها المؤسسي الحقيقي.
قدها... من تحفيز الفرد إلى بناء المؤسسة هو أعظم ما يمكن أن تقدمه المؤسسة لموظفيها ليس فقط الراتب أو المزايا الوظيفية، وإنما الثقة بالقدرة، وإتاحة الفرصة، وفتح المجال أمام المبادرات وتفعيلها.
فالموظف الذي يشعر بأن رأيه مسموع، وفكرته محل تقدير، وجهده مرئي، ونجاحه يحظى بالاعتراف، لا يؤدي وظيفته فقط؛ بل يشعر بأنه شريك في نجاح المؤسسة ومن ثم نجاحه وازدهاره، ومن هنا يمكن أن تتحول «قدها» إلى ثقافة مؤسسية تقول لكل موظف: أنت قادر.. أنت مؤثر.. أنت شريك.. أنت قدها.
فالموظف ليس رقماً في الهيكل التنظيمي، وإنما هو عقل المؤسسة وطاقتها اليومية، وهو الذي يحول الأنظمة والخطط والاستراتيجيات إلى واقع. ولهذا فإن الاستثمار في الموظف لا ينبغي أن يقتصر على التدريب، وإنما يجب أن يمتد إلى اكتشاف قدراته، وتطوير مهاراته، وتمكينه من اتخاذ المبادرة، وإشراكه في التطوير، والاحتفاء بإنجازاته.
الموظف الذي يستحق أن يحمل لقب موظف قدها ليس بالضرورة من ينجز أكبر عدد من المهام، وإنما من يضيف قيمة حقيقية إلى المكان الذي يعمل فيه. هو الموظف الذي يبحث عن الحل بدلاً من الاكتفاء بوصف المشكلة.
وهو الذي يرى في التحدي فرصة للتطوير. يشارك زملاءه المعرفة، يحافظ على جودة عمله حتى عندما لا يكون هناك من يراقبه. يشعر أن نجاح مؤسسته جزء من نجاحه الشخصي. وهنا تكمن القيمة الحقيقية للمبادرة؛ في تحويل كلمة «قدها» من عبارة تقال للتحفيز إلى سلوك مهني يومي.
لأن الموظف المتميز يحتاج إلى بيئة تساعده على التميز. ويحتاج أيضاً لتغيير الثقافة العامة في أي مؤسسة إلى جانب يحمل في طياته الازدهار والنمو أساسه التحفيز، فلا يمكن أن نطلب من الموظف أن يكون مبتكراً في بيئة تخشى التغيير، ولا أن يكون مبادراً في بيئة لا تسمح له بإبداء الرأي، ولا أن يكون شريكاً في النجاح إذا لم يشعر بأن صوته مسموع.
لذلك، فإن إدارة قدها هي الإدارة التي تعرف كيف تكتشف موظفيها، وكيف تمنحهم الثقة، وكيف تدير الاختلاف، وكيف تشجع المبادرة، وكيف تحول الأفكار إلى مشاريع، وكيف تقيس النتائج لا بمجرد عدد المعاملات المنجزة، وإنما بالقيمة التي أضيفت إلى العمل. وعندما يصبح الموظف «قدها»، والإدارة «قدها»، فإننا نقترب من بناء مؤسسة قدها. باختصار كيف تصنع فريقاً قادراً على فعل الكثير. وتقول لموظفيها نجاحكم من نجاحنا.
والمؤسسة الصحية هي قدها في نظري، إذ لا تخاف من التطوير، ولا تعتبر الابتكار ترفاً، ولا تنظر إلى التدريب باعتباره إجراءً روتينياً، ولا تجعل النجاح مرتبطاً بشخص واحد. المؤسسة التي تمتلك ثقافة مؤسسية قائمة على الثقة والإنجاز والابتكار والعمل الجماعي. تستقطب الكفاءات، وتحافظ عليها، وتطورها، وتمنحها فرصاً حقيقية للارتقاء. إذ إن النجاح الحقيقي لا يأتي من الجهود الفردية وحدها، وإنما يتحقق من خلال العمل الجماعي وتكامل أدوار الفريق.
إن المؤسسة التي تسأل ماذا أنجزنا وماذا تم إنجازه؟ هي من تريد الإنجاز بصورة أفضل للارتقاء المؤسسي، إذ يمكن أن تتحول إلى منظومة التميز لتكريم أصحاب الإنجازات النوعية والإدارات التي تحقق أفضل تقدم بتقديم مبادرات تطويرية مؤثرة ليست عادية. ومن هنا يظهر فريق قدها المكون من أصحاب الخبرة ويُطعَّم بالشباب، لأن الخبرة مع الشباب تعطي نتائج مبهرة واستثنائية. ومن خلال هذا التعاون لا تصبح «قدها» جائزة سنوية فحسب، وإنما تصبح نظاماً ثقافياً يحفّز المؤسسة من الداخل بروح فريق البحرين الملهم من لدن سمو رئيس الوزراء الموقر، حيث إن المؤسسة لا تصبح قوية لأنها تمتلك موظفاً استثنائياً واحداً، وإنما لأنها تستطيع أن تجمع مجموعة من الأشخاص الاستثنائيين في فريق واحد.
ومن المهم ألا تتحول «قدها» إلى مجرد لقب أو شهادة تقدير. فاللقب الحقيقي يجب أن يحمل معه مسؤولية راسخة للثبات والاستمرار والديمومة في البذل والعطاء، وعندما نقول لموظف «أنت قدها»، فإننا نقول له أيضاً نحن نثق بك. وللمؤسسة الناجحة نقول ننتظر المزيد من التألق، وعليها أنت قدها في صناعة نموذج يحتذى به.
ويمكن قياس أثر المبادرة من خلال مؤشرات واضحة، كتدشين منصة إلكترونية متخصصة في ذلك تعكس وتظهر عدد قصص النجاح المنشورة والمشاركين في «جيل قدها»، وعدد الموظفين المستفيدين من البرامج التدريبية، والجهات الشريكة، وحجم التفاعل الرقمي، وإعداد خطة تشغيلية متخصصة تدار من قِبل متخصصين كل في مجاله، حتى نصل إلى جودة النتائج المرجوة وعدد الأفكار والمبادرات التي تم استقبالها وتطويرها، وحتى لا تبقى «أنت قدها» فكرة جميلة على الورق، فإنها قابلة لأن تنفذ وفق مراحل واضحة تبدأ بالتأسيس واعتماد الهوية والسياسات التنظيمية، ثم تطوير المنصة الرقمية ومحتواها، يلي ذلك إطلاق تجريبي داخل المؤسسة، ثم الإطلاق الرسمي، وصولاً إلى التشغيل المستمر والبرامج الشبابية والمؤسسية، وانتهاءً بحفل «قدها» السنوي الذي يحتفي بالتميز ويجمع المؤسسات الوطنية والإعلام والكفاءات البحرينية.
إضاءة شكر
شكراً سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة لهذه الفكرة الملهمة والأكثر من رائعة.كلمتان تختصران معاني الثقة، والطموح، والتحدي، والمسؤولية، والقدرة على الإنجاز، ويمكن أن تتحولا من شعار إلى ثقافة مؤسسية.. من «قدها» إلى «أنت قدها».