كوالالمبور- ماليزيا
في اللحظات التي تمرّ بها الدول بامتحاناتٍ دقيقة، لا تكون الاجتماعات الوطنية الكبرى مجرّد استعراضٍ لما أُنجز، ولا بياناً لما اتُّخذ من إجراءات، بل تصبح في عمقها مناسبةً لإعادة ترتيب الأولويات، وضبط إيقاع المرحلة، وقراءة ما وراء الحدث من دلالات. ومن هذا الباب يمكن النظر إلى الاجتماع المشترك بين السلطتين التنفيذية والتشريعية بشأن الجاهزية الوطنية، بوصفه محطةً جامعةً بين ما أثبتته الدولة في مواجهة الظرف الطارئ، وما ينبغي أن يستقر عليه الخطاب الوطني في المرحلة المقبلة.
وقد جاءت كلمة سيدي جلالة الملك المعظم، حفظه الله ورعاه، ميزاناً للقول حين يشتبه المسار، وبوصلةً للرأي حين تتزاحم الآراء وتعلو الأصوات في ساحة الحوار؛ فقد أكدت أن صون الوحدة الوطنية، وحفظ أمن الوطن واستقراره ومقدراته، أصلٌ لا يُزاح عنه، وركنٌ لا يُدار حوله، وحدٌّ تنتهي إليه الآراء المخلصة مهما اتسعت دوائر النظر والاعتبار.
لقد مرّت البحرين بظرفٍ إقليميٍّ بالغ الدقة والاختبار، لم يكن خبراً عابراً في سياق الأخبار، ولا حدثاً بعيداً عن دوائر القرار، بل امتحاناً حاضراً للأمن والاستقرار، وكشفًا لصلابة المؤسسات حين تشتد الأخطار. ومع الاعتداءات الإيرانية الآثمة، بدت الدولة ثابتةً لا تضطرب، حاضرةً لا تنتظر، واثقةً لا تنكسر؛ دفاعٌ يذود، وأمنٌ يسهر، وخدماتٌ تستمر، وقرارٌ يتزن، وصفٌّ وطنيٌّ يلتئم حول راية الوطن، بقيادة سيدي حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه.
وفي هذا السياق، جاءت زيارات صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، إلى مواقع العمل والإنتاج والبيان؛ إلى ألبا حيث استمر الإنتاج، وإلى بابكو حيث ثبتت منظومة الطاقة واستمرت الإمدادات، وإلى وزارة الإعلام ومركز الاتصال الوطني ولقائه برؤساء الصحف المحلية حيث أدّت الكوادر الإعلامية والصحافة المحلية واجبها بكفاءةٍ ومسؤوليةٍ واقتدار. ولم تكن هذه الزيارات مجرد متابعةٍ ميدانية، بل تقديراً قيادياً لوقفة المواطنين وصمودهم، وتأكيداً أن البحرين ساعة الاختبار تقوم بسواعد أبنائها جميعاً، كلٌّ في موضعه، وكلٌّ على ثغره، وكلٌّ في مقام الوفاء والاعتبار.
وقد أعاد معالي وزير الداخلية الجاهزية الوطنية إلى أصلها الأبعد، وردّها إلى مسارها الأكبر، حين بيّن أنها لم تكن وليدة ظرفٍ طارئ، بل ثمرة المشروع الإصلاحي الشامل لمقام جلالة الملك المعظم؛ مشروعٌ أقام التعاون بين السلطتين، وشدّ بنيان المؤسسات، وجعل أمن المواطن وسلامته في قلب القرار ومدار الاعتبار. ومن هذا المسار إلى ذلك الاختبار، أشار معاليه إلى محاولات نظام ولاية الفقيه ووكلائه الموالين لإيران للهيمنة على الشارع الشيعي في البحرين، غير أن يقظة الدولة، وصدق أبناء البحرين بكل مذاهبهم وطوائفهم في الانتماء لأرضهم ودارهم، أفشلا ذلك الرهان وأسقطا وهم الاختراق.
وجاء حديث معالي الشيخ سلمان بن خليفة آل خليفة، وزير المالية والاقتصاد الوطني، ليُكمل صورة الجاهزية في بُعدها الاقتصادي والمالي والخدمي؛ فصون الوطن بعد مرتكز الأمن يكون بحفظ الموارد من الهدر، وضمان الخدمات، واستقرار الأسواق، وحماية مسارات الاقتصاد من الاضطراب والانكسار. فقد بيّن معاليه أن قوة المؤسسات مكّنت الدولة من متابعة المستجدات باقتدار، وتأمين سلاسل الإمداد باستمرار، ومعالجة الأضرار ضمن نهجٍ يجمع بين الانضباط وحسن القرار.
ومن هذا الباب تتقدّم مسؤولية الآراء والمقترحات الوطنية مع قرب افتتاح دور الانعقاد المقبل؛ فكما احتاج زمن الخطر إلى جاهزيةٍ تحمي الدار، يحتاج ما بعد الخطر إلى كلمةٍ تحفظ المسار، ورأيٍ يوازن بين الطموح والمقدار، ومقترحٍ يقرأ الممكن بوعيٍ واعتبار. وليس ذلك تضييقاً على رأيٍ يُقال، ولا حجباً لصوتٍ يُسمع، بل هو دعوةٌ إلى أن يظل العمل الوطني في مقامه، والحوار في وقاره، والاختلاف في مداره؛ حتى تكون حاجة الناس مدخلاً للحلول لا للمزايدة، وعاطفة المجتمع باعثاً على المسؤولية لا سبيلاً للعبور، والمنبر الدستوري مساحةً لقولٍ محسوب، ووعدٍ مسؤول، واجتهادٍ يطلب الأثر قبل التصفيق، ويقدّم مصلحة الوطن على كل اعتبار.
وخلاصة القول، إن البحرين التي التفّ أبناؤها حول راية الوطن بقيادة سيدي جلالة الملك المعظم، قادرةٌ أن تعبر ما بعد الخطر كما عبرت الخطر؛ بوحدةٍ لا تُفرّق، ومؤسساتٍ لا ترتبك، وخطابٍ لا يزايد، وآراءٍ ومقترحاتٍ وطنيةٍ مخلصة تجعل أمن الوطن واستقراره ومقدراته فوق كل اعتبار. فالوطن لا تُصونه العاطفة العابرة، بل الكلمة الصادقة، ولا يرفعه الوعد المرسل، بل الرأي المسؤول، ومن جعل البحرين أولاً، جعلها عهداً ومساراً وقراراً.