من البحرين إلى ماليزيا، لم تنتقل سيارات السباق فقط، ولم ينتقل اسم جائزة رياضية من حلبة إلى أخرى، وإنما انتقلت معها قصة وطن يعرف كيف يتعامل مع الظروف الاستثنائية بعقلية الإنجاز، ويحافظ على حضوره في بطولة العالم للفورمولا وان، ويحمل اسم جائزته إلى حلبة سيبانغ الدولية. فبعد تعذّر إقامة جائزة البحرين الكبرى في موعدها الأصلي، جاء الاتفاق على استضافتها في ماليزيا خلال الفترة من 2 إلى 4 أكتوبر 2026، لتبقى جائزة البحرين حاضرة في روزنامة البطولة، ولتتحول هذه المحطة من تغيير في موقع السباق إلى تجربة جديدة تؤكد قدرة المملكة على التعامل مع المتغيرات والمحافظة على حضورها في واحدة من أبرز البطولات الرياضية العالمية.
المشهد الماليزي حمل في تفاصيله أكثر من سباق؛ فقد كان اختباراً حقيقياً لسرعة الاستجابة، ودقة التنسيق، وتكامل الجهود، والاستعداد للتعامل مع ظرف غير اعتيادي. وبين المنامة وسيبانغ امتدت رحلة من العمل المتواصل، أعادت ترتيب الكثير من التفاصيل في وقت قصير، وجمعت فرقاً وكوادر وخبرات حول هدف واحد: أن يبقى اسم البحرين حاضراً، وأن تصل المشاركة إلى خط البداية بالصورة التي تليق بمكانة المملكة وتجربتها الطويلة في رياضة السيارات.
ومنذ استضافة مملكة البحرين أول سباق للفورمولا وان في المنطقة عام 2004، أصبحت رياضة السيارات جزءاً من الحضور الدولي للمملكة، ومساراً أسهم في وضع اسمها على خريطة الرياضة العالمية. وبعد أكثر من عقدين من هذه المسيرة، جاءت محطة ماليزيا لتضيف فصلاً مختلفاً، لأنها أظهرت قدرة المنظومة البحرينية على الانتقال من ظرف إلى آخر مع الحفاظ على الهوية والاستمرارية. فالجائزة بقيت بحرينية في اسمها، والفريق ظل يحمل اسم البحرين، والكوادر واصلت أداء أدوارها، فيما فتحت حلبة سيبانغ أبوابها أمام مشاركة بحرينية وصلت إلى جمهور جديد.
وفي قلب هذا المشهد يبرز «فريق البحرين» باعتباره صورة للعمل الجماعي الذي تتكامل فيه الخبرات الفنية والإدارية والتنظيمية والإعلامية. فالجمهور يرى السيارات على المضمار ويتابع السائقين والنتائج، لكن خلف تلك اللحظات منظومة واسعة من الإعداد والتخطيط والتنسيق، تبدأ قبل السباق بوقت طويل وتحتاج إلى دقة عالية في كل خطوة. والمشاركة في بطولة عالمية بهذا الحجم تعكس خبرة تراكمت لدى الكوادر البحرينية، وقدرتها على العمل في بيئة دولية تتطلب سرعة القرار والانضباط والدقة والاستعداد للتعامل مع المتغيرات.
ولا تكتمل صورة هذا الحضور من دون الإشارة إلى الدور الذي أداه القطاع الخاص، من خلال مشاركة مسؤولين وقيادات على مستوى عالٍ من القطاعين المصرفي والصناعي، بما يعكس اتساع دائرة الاهتمام بهذه المناسبة الوطنية والرياضية. فحضور القطاع الخاص إلى جانب المؤسسات والكوادر المعنية برياضة السيارات يعبّر عن شراكة مجتمعية واقتصادية تسهم في تعزيز الحضور البحريني، وتؤكد أن تمثيل المملكة في المحافل الدولية مسؤولية تتسع لتشمل مختلف القطاعات والخبرات الوطنية.
ويكتسب حضور صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، في هذه المشاركة دلالة خاصة، لما يحمله من اهتمام ودعم لمسيرة رياضة السيارات في مملكة البحرين، ومتابعة مباشرة لفريق البحرين في هذه المحطة الدولية. فوجود سموه يعكس اهتمام القيادة بما تحققه الرياضة البحرينية من حضور عالمي، كما يجسد دعم الكوادر الوطنية التي تحمل اسم المملكة وتمثلها في المحافل الدولية، ويمنح هذا الحضور بعداً وطنياً يتجاوز حدود المنافسة الرياضية.
وفي خضم هذا المشهد، جاءت كلمات سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، لتختصر الكثير من تفاصيل الرحلة، حين قال: «التعب حولناه قصة نجاح». كلمات قليلة، لكنها تحمل دلالة واسعة على ما شهدته هذه المشاركة من جهد وإصرار واستعداد. فالتعب هنا لم يكن مجرد ساعات عمل طويلة، وإنما كان عنواناً لمرحلة تطلبت إعادة ترتيب الأولويات، وتنسيق الجهود، والاستجابة السريعة، ومواصلة العمل حتى اكتملت الصورة وظهر اسم البحرين في حلبة سيبانغ أمام العالم.
وتتجلى قيمة هذه العبارة أيضاً في أنها تضيء على الجانب غير المرئي من الإنجاز؛ فكل مشاركة ناجحة تقف وراءها فرق تعمل بعيداً عن الأضواء، وتفاصيل تحتاج إلى متابعة دقيقة، وأشخاص يخططون وينظمون وينفذون ويتابعون حتى اللحظة الأخيرة. ومن هنا أصبحت «التعب حولناه قصة نجاح» وصفاً مكثفاً لرحلة متكاملة، تحولت فيها التحديات إلى دافع لمواصلة العمل والوصول إلى الهدف.
وإذا كان المضمار يمثل قلب الحدث، فإن «قرية البحرين» أضافت بُعداً آخر للحضور البحريني في ماليزيا. فقد أتاحت للزوار مساحة للتعرّف على المملكة من خلال ثقافتها وتراثها وهويتها ومقوماتها السياحية، لتصبح المشاركة أكثر اتساعاً من إطار المنافسة الرياضية. فالجمهور الذي جاء لمتابعة السيارات والسباق وجد أمامه صورة أخرى للبحرين، تحمل ملامح بلد يمتلك تاريخاً عريقاً، وانفتاحاً حضارياً، ومقومات متنوعة تجعل حضوره في الفعاليات العالمية تجربة متكاملة.
وكان للجمهور البحريني حضوره اللافت كذلك، فقد اختار كثيرون أن يقطعوا المسافة إلى ماليزيا ليكونوا قريبين من فريقهم ويشاركوا في صناعة أجواء الحدث بروح بحرينية واضحة. وهذا الحضور لا يُقاس فقط بأعداد الجماهير، وإنما بما تحمله معها من حماس ودعم وانتماء، وهي صورة تضيف إلى المشاركة الرياضية بُعداً إنسانياً وشعبياً، وتجعل اسم البحرين حاضراً في المدرجات كما هو حاضر على المضمار.
وفي هذه الرحلة، كان لطيران الخليج، الناقلة الوطنية لمملكة البحرين، دور في تيسير حركة المسافرين ووصول الجماهير والوفود إلى ماليزيا، بما أسهم في دعم هذه المشاركة وجعل الانتقال إلى المحطة الماليزية أكثر سهولة وانسيابية. وهكذا اكتملت الصورة من أكثر من جانب: فريق على الحلبة، وقطاع خاص حاضر، وجمهور يسافر خلف فريقه، وناقلة وطنية تسهّل الوصول، لتجتمع هذه العناصر حول اسم البحرين في حدث رياضي عالمي.
وتبرز هنا قوة الرياضة بوصفها لغة عالمية تجمع الناس من ثقافات مختلفة في مكان واحد. فالحلبة تجمع الرياضيين والجمهور والإعلام والمهتمين من دول متعددة، وعندما تكون البحرين حاضرة في هذا المشهد، فإن اسمها يصل إلى جمهور واسع عبر تجربة حية ومباشرة. ومن خلال الرياضة والثقافة والسياحة والإعلام، تتشكل صورة متكاملة للمملكة، ويصبح الحدث الرياضي منصة للتواصل مع العالم بطريقة تتجاوز النتائج والأرقام.
كما أن رياضة السيارات تحمل في طبيعتها الكثير من المعاني المرتبطة بمسيرة النجاح؛ فهي تقوم على الاستعداد، والدقة، وسرعة الاستجابة، والعمل بروح الفريق، واتخاذ القرار في اللحظة المناسبة. وفي كل سباق متغيرات ومنعطفات تحتاج إلى قراءة دقيقة وتعامل سريع، تماماً كما يحدث في مختلف مجالات الحياة والعمل. ولهذا فإن قصة البحرين في ماليزيا لم تكن مجرد انتقال من حلبة إلى أخرى، وإنما تجربة عكست أهمية المرونة عندما تتغير الظروف، وأهمية تحويل التحديات إلى مساحة جديدة للعمل والإنجاز.
وفي حلبة سيبانغ، اجتمعت عناصر متعددة في مشهد واحد: رياضة عالمية، واسم بحريني، وكوادر وطنية، وحضور قيادي، وقطاع خاص، وجمهور بحريني، وفعاليات ثقافية وسياحية، وتغطية إعلامية. وبين هدير المحركات وسرعة السيارات، كانت هناك قصة أخرى تستحق أن تُروى؛ قصة منظومة لم تتوقف أمام تغير الظروف، بل أعادت ترتيب خطواتها ومضت إلى الأمام، حاملة معها اسم البحرين وهويتها وطموحها.
لقد أضافت ماليزيا محطة جديدة إلى مسيرة البحرين في رياضة السيارات، وأظهرت أن الحضور العالمي يمكن أن يتخذ أشكالاً متعددة، وأن اسم المملكة قادر على الوصول إلى جماهير جديدة عبر الرياضة والثقافة والسياحة والإعلام. كما كشفت هذه المشاركة عن قيمة التكامل بين المؤسسات والقطاع الخاص والكوادر والجمهور، فكل طرف أسهم بطريقته في صناعة المشهد وإبقاء اسم البحرين حاضراً في هذه المناسبة الدولية.
وتبقى هذه المناسبة فرصة لرفع التهنئة والتقدير إلى حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، وإلى صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، على الدعم والاهتمام بمسيرة رياضة السيارات في مملكة البحرين، والتهنئة موصولة إلى جميع أفراد «فريق البحرين»، وإلى الكوادر الوطنية والخبرات الفنية والتنظيمية والإعلامية، وإلى القطاع الخاص والجمهور البحريني، وكل من أسهم في إنجاح هذه المشاركة وحضور اسم المملكة في هذا المحفل العالمي.
إنها البحرين في ماليزيا.. جائزة حملت اسم وطن، وفريق جسّد روح العمل الجماعي، وقطاع خاص شارك في الحضور، وجمهور قطع المسافات ليكون جزءاً من المشهد، وناقلة وطنية يسّرت الوصول، وكوادر حوّلت ساعات الجهد إلى حضور يليق باسم المملكة. إنها محطة أثبتت أن الظروف قد تغير المكان، لكنها لا تغير الهوية ولا الطموح، وأن النجاح الحقيقي تصنعه منظومة تتكامل فيها القيادة والمؤسسات والقطاع الخاص والكوادر والجمهور. وفي سيبانغ، كانت البحرين حاضرة بقصتها وكفاءاتها وهويتها وروح أبنائها، لتضيف فصلاً جديداً إلى سجل حضورها العالمي، ولتختصر رحلة كاملة بكلمات سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء: «التعب حولناه قصة نجاح».
* مستشار إعلامي وعلاقات مؤسسية