سماهر سيف اليزل


غيّب الموت الفنانة التشكيلية البحرينية القديرة بلقيس فخرو، بعد مسيرة فنية وثقافية امتدت لنحو خمسة عقود، كرّست خلالها اللون والتكوين لاستحضار المكان والذاكرة والهوية، ورسخت حضورها كإحدى التجارب البارزة في مسيرة الفن التشكيلي البحريني الحديث.

ونعَت هيئة البحرين للثقافة والآثار الفنانة التشكيلية القديرة، مستذكرةً مسيرتها الفنية الحافلة وإسهاماتها في إثراء المشهد التشكيلي في البحرين، وما حققته من حضور وتقدير على المستويين المحلي والدولي.

وأكدت الهيئة أن رحيلها يمثّل خسارةً للمشهد الثقافي في البحرين، فقد أسهمت على مدى نصف قرن في إثراء التجارب الفنية وتطويرها، وفي إبراز البحرين بوصفها موطناً للإبداع والمبدعين.

وتُعدّ بلقيس فخرو من رائدات الحركة التشكيلية في المملكة، إذ درست الفلسفة وعلم النفس في لبنان، ثم تخصصت في الفنون الجميلة وتاريخ الفن في كلية "لون ماونتن" في سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة. وقدمت خلال مسيرتها أعمالاً فنية متنوعة مستخدمة أساليب تشكيلية متعددة، قبل أن تكرّس جانباً كبيراً من تجربتها للتعبير عن الهوية البحرينية والانتماء العربي.

إلى جانب ذلك، عُرفت فخرو كناقدةً وكاتبةً، وكانت من الأعضاء الناشطين في جمعية البحرين للفنون التشكيلية. وشاركت خلال مسيرتها في معارض محلية ودولية، ونالت جوائز وتكريمات عدة، لتترك بصمةً راسخة في المشهد الفني البحريني، وتُلهم أجيالاً من الفنانين.

ولدت بلقيس فخرو عام 1950، وبدأ تعلقها بالرسم منذ سنواتها الأولى، قبل أن تأخذ شغفها إلى مسار أكاديمي، فدرست الفلسفة وعلم النفس في الجامعة الأمريكية في بيروت، ثم واصلت دراستها في الولايات المتحدة، وحصلت عام 1975 على درجة في الفنون الجميلة وتاريخ الفن من كلية «لون ماونتن» في سان فرانسيسكو.

وبعد عودتها إلى البحرين، بدأت مشاركاتها في الحركة التشكيلية المحلية، وكان من أبرز محطاتها المبكرة مشاركتها في المعرض السنوي للفنون التشكيلية عام 1976، الذي نالت خلاله جائزة تقديرية. ومع مرور السنوات، أخذت تجربتها الفنية مساراً أكثر خصوصية، متنقلة من الواقعية والانطباعية إلى التعبيرية والتجريد، ومطوّرة لغة بصرية تستند إلى علاقة دقيقة بين اللون والضوء والظل والكتلة والفراغ.

وكانت البحرين حاضرة في أعمال فخرو بوصفها ذاكرة ومكاناً، لا مجرد موضوع بصري؛ فاستحضرت العمارة والتراث وتفاصيل الطفولة ومشاهد الحياة المحلية ضمن تكوينات تجريدية مفتوحة على قراءات متعددة. كما استفادت من تجارب المدارس الفنية العالمية، من دون أن تفقد أعمالها صلتها بالبيئة البحرينية وخصوصيتها الثقافية.

ولم تكن فخرو ترى اللوحة مجرد عمل يكتمل عند الفنان، بل مساحة يشارك المتلقي في بناء معناها؛ وهو ما انعكس في تجربتها التي منحت المشاهد حرية التأويل، مستفيدة من خلفيتها في الفلسفة وعلم النفس وتاريخ الفن، ومؤمنة بأن العمل التشكيلي يمكن أن يخاطب الإحساس قبل أن يقدم تفسيراً مباشراً.

وامتد عطاؤها إلى خارج المرسم، فحضرت في المشهد الثقافي كاتبة وناقدة ومحاضرة، وأسهمت في أنشطة جمعية البحرين للفنون التشكيلية، وشاركت في لجان التحكيم والتدريس الفني، إلى جانب حضور أعمالها في عدد من المعارض والفعاليات الفنية.

وحصدت خلال مسيرتها عدداً من الجوائز والتكريمات، من بينها جائزة «الدانة» الكبرى، لتترك تجربة لم تكن محصورة في اللوحة وحدها، بل امتدت إلى الكتابة والتعليم والنقد، وأسهمت في توثيق مرحلة مهمة من تطور الحركة التشكيلية في البحرين.

وبرحيل بلقيس فخرو، يغيب صوت فني اختار أن يجعل من اللون ذاكرة، ومن اللوحة مساحة للتأمل، ومن التجربة الممتدة على مدى عقود جسراً بين الفن والإنسان والمكان، فيما تبقى أعمالها شاهداً على مرحلة ثرية من تاريخ الفن التشكيلي البحريني.