حين يغرد إيلون ماسك عبر حسابه على منصة أكس: «آمل أن يكون الذكاء الاصطناعي لطيفاً معنا»، فإننا لا نقرأ عبارة عابرة لرجل أعمال اعتاد إثارة النقاش، بل كلمات صادرة عن شخص يعمل في قلب صناعة الذكاء الاصطناعي ويستثمر في تطويرها.

فنشر ماسك عبارة: «I hope AI is nice to us»، رداً على المستثمر نافال رافيكانت الذي قال: «لا يمكنك أن تصنع شخصاً ثم تضعه في مقود»، وما يمنح عبارة ماسك أهميتها ليس مضمونها وحده، بل هوية قائلها، فالتحذير عندما يأتي من شخص يشارك بنفسه في تطوير هذه التقنية يكتسب دلالة مختلفة عن المخاوف التي تصدر من خارج قطاع التكنولوجيا.

فنحن أمام صناعة تتقدم بسرعة كبيرة، بينما ما زالت الأسئلة المتعلقة بحدود قدراتها ومسؤولية استخدامها ومدى السيطرة على أنظمتها بلا إجابات نهائية.

لذلك يمكن فهم كلمات ماسك باعتبارها تعبيراً عن تناقض يعيشه قطاع التكنولوجيا: من جهة «سباق متسارع للوصول إلى ذكاء أكثر قدرة»، ومن جهة أخرى «قلق من النتائج التي قد ترافق هذا التقدم» إذا سبقت التقنية القواعد التي تضبط استخدامها.

وهذا السباق لم يعد شأناً تقنياً يخص المختبرات والشركات، بل أصبح جزءاً من المنافسة الاقتصادية والاستراتيجية بين القوى الكبرى.

فبحسب مؤشر الذكاء الاصطناعي لعام 2025 الصادر عن جامعة ستانفورد، وصل الاستثمار المؤسسي العالمي في الذكاء الاصطناعي خلال عام 2024 إلى نحو 252.3 مليار دولار، فيما بلغ الاستثمار الخاص في الذكاء الاصطناعي التوليدي وحده 33.9 مليار دولار.

هذه الأموال تكشف حجم الرهان على تقنية يُتوقع أن تؤثر في الاقتصاد والبحث العلمي والتعليم والطب والصناعة والأمن، كما تكشف سبب اندفاع الشركات والدول إلى تطوير أنظمة أكثر قدرة قبل منافسيها.

والمشكلة أن السباقات الكبرى لا تمنح المتنافسين دائماً وقتاً كافياً للحذر؛ فكل شركة تخشى أن يسبقها منافس، وكل دولة تدرك أن التأخر التقني قد يتحول إلى تأخر اقتصادي واستراتيجي.

فالخطر الحقيقي ليس في صورة آلة تقرر محاربة البشر كما تقدمها أفلام الخيال العلمي، بل في أن تصبح سرعة تطوير الذكاء الاصطناعي أكبر من سرعة بناء القوانين ومعايير السلامة وآليات المحاسبة التي تحكم استخدامه.

أما التأثير الأقرب إلى حياتنا، فيرتبط بما سيفعله الإنسان بهذه القوة الجديدة. فالبرنامج الذي يساعد الطبيب في تحليل المعلومات يمكن أن يستخدم في الاحتيال، والأداة التي تمنح الطالب إجابة خلال ثوانٍ قد تتحول إلى بديل عن البحث والتفكير، والتقنية القادرة على إنتاج الصور والأصوات الواقعية تستطيع خدمة الإبداع كما تستطيع انتحال الأشخاص وتزييف الحقائق.

ويضاف إلى ذلك أثر اقتصادي يصعب تجاهله؛ فكلما أصبحت الخوارزميات قادرة على إنجاز أعمال فكرية وإدارية وإبداعية، تغيّرت طبيعة الوظائف والمهارات التي يحتاج إليها سوق العمل.

لذلك فإن القضية لا تتعلق بعدد الوظائف التي قد تختفي فقط، بل بموقع الإنسان نفسه داخل اقتصاد يعتمد بدرجة متزايدة على أنظمة تستطيع العمل بسرعة هائلة وبتكلفة أقل.

الذكاء الاصطناعي يمنح مستخدمه قدرة إضافية، لكنه لا يمنحه الأخلاق التي تحدد كيفية استخدام تلك القدرة؛ ولهذا قد يكون الخطر الأقرب في بعض الحالات هو الإنسان الذي يستخدم التقنية بلا مسؤولية، لا التقنية ذاتها.

ولهذا لا ينبغي أن يعتمد مستقبل الذكاء الاصطناعي على الأمنيات، بل المطلوب أن تبقى القرارات المصيرية تحت مسؤولية البشر، وأن تحدد المسؤولية القانونية عندما تسبب الأنظمة الذكية أضراراً، وأن تخضع التطبيقات الأكثر حساسية لتقييم مستقل، وألا يتحول السباق التجاري إلى مبرر لتجاوز معايير السلامة.

نريد ذكاءً اصطناعياً يساعد الطبيب من دون أن يلغي مسؤوليته، ويدعم المعلم من دون أن يسلب التعليم قيمته الإنسانية، ويرفع الإنتاجية من دون أن يجعل الإنسان مجرد رقم في مقارنة مستمرة مع آلة. فالغاية من التقدم التقني أن يمنح الإنسان قدرة أكبر على بناء حياة أفضل، لا أن يجعله يخشى القوة التي صنعها.

وربما لهذا تبقى عبارة ماسك شديدة الدلالة: «آمل أن يكون الذكاء الاصطناعي لطيفاً معنا»، لكن القضية الأعمق ليست إن كان الذكاء الاصطناعي سيكون لطيفاً معنا، بل إن كنا سنمتلك من الحكمة والمسؤولية ما يكفي لضبط قوته قبل أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها الأمل وسيلتنا الأخيرة للتعامل معه.

* باحثة في الإعلام الرقمي وتكنولوجيا الاتصال والذكاء الاصطناعي