هل يمكن أن نستيقظ في صباح يوم شديد الحرارة والرطوبة فنصبح أسرع ضجراً، وأقل صبراً وتركيزاً، ثم نكون أكثر نشاطاً وارتياحاً عندما يعتدل الجو؟ وإذا كان ذلك صحيحاً، فهل يمكن قياس تأثير الطقس في المزاج بالأرقام؟ الإجابة العلمية هي نعم، يمكن دراسة ذلك، ولكن ليس بالترمومتر وحده فقط؛ فالطقس لا يحدد مزاج الإنسان بصورة مباشرة، وتأثيره المتوسط في المزاج اليومي قد يكون صغيراً ويختلف كثيراً من شخص إلى آخر، ففي دراسة تابعت 1,233 شخصاً، وربطت يومياتهم بـ6 متغيرات جوية، ظهرت تأثيرات للحرارة والرياح والشمس، لكن مقدار التباين الذي فسّره الطقس كان محدوداً في المتوسط.

- من الطقس إلى الدماغ:

في الخليج، تبرز معادلة مهمة، وهي أن الحرارة زائداً الرطوبة تؤدي إلى الإجهاد الحراري، وبالتالي الشعور بالتعب واضطراب محتمل للنوم، مما يسبّب تغيّر الطاقة والتركيز، وصولاً إلى تغيّر محتمل في المزاج؛ فعندما ترتفع الرطوبة، يصبح تبخّر العرق أقل كفاءة، ويحتاج الجسم إلى جهد أكبر للتخلص من حرارته.

لكنني أعتقد أن العنصر الذي يستحق اهتماماً خاصاً في دول الخليج العربي ليس حرارة الظهيرة فقط، بل حرارة الليل.

فمراجعة علمية منهجية حديثة للأبحاث العالمية خلصت إلى أن الحرارة المحيطة يمكن أن تؤثر سلباً في النوم، وأن اضطراب النوم يمثل مساراً معقولاً تنتقل عبره آثار الحرارة إلى الصحة والسلوك في اليوم التالي. ولذلك، عندما يكون الإنسان أقل صبراً أو تركيزاً في صباح صيفي، فقد يكون السؤال الصحيح هو ليس كم كانت الحرارة الآن؟ بل كيف كانت حرارة الليلة الماضية، وكم ساعة قد نمت؟

- كيف نقيس المزاج؟

لا يوجد «ترمومتر للمزاج»، والطريقة العلمية الأفضل هي أن نسأل الشخص عدة مرات في اليوم أسئلة قصيرة ومقننة، مثل كيف هو مزاجك الآن؟

وما مستوى طاقتك؟ وهل تشعر بالهدوء أم الانزعاج؟ وما قدرتك على التركيز؟ وكيف كانت جودة نومك؟

وتسمى إحدى الطرق المستخدمة Ecological Momentary Assessment (EMA)، أي تقييم الحالة النفسية في وقتها وفي الحياة اليومية بدل الاعتماد على ذاكرة الشخص بعد أيام أو أسابيع.

وقد استخدمت دراسة سويسرية هذه الطريقة، إذ تم تقييم مزاج 906 أشخاص بواسطة الهاتف أربع مرات يومياً لمدة سبعة أيام، ثم ربط الباحثون الإجابات بدرجات الحرارة الفعلية، مع مراعاة عوامل مثل النوم والخصائص الشخصية والطقس وتلوث الهواء.

وأظهرت الدراسة أن العلاقة بين الحرارة والمزاج معقدة وتتغير باختلاف الأشخاص والظروف، وهذه نقطة بالغة الأهمية، فهي تشير إلى أنه لا توجد درجة حرارة عالمية تجعل جميع البشر سعداء أو سيئي المزاج.

- تجربة خليجية: نصف مليون قياس:

لو تم الحصول على 500 متطوع من البحرين ودول الخليج العربي، وطلبنا من كل واحد منهم تسجيل مزاجه وطاقته وتركيزه ثلاث مرات يومياً لمدة عام، فإننا سنحصل على 547,500 قياس مزاج. وفي الوقت نفسه نسجل درجة الحرارة، والرطوبة، والرياح، والإشعاع الشمسي، والحرارة المحسوسة، وحرارة الليل.

عندها نستطيع البحث عن العلاقة بين الطقس والمزاج بدقة، والأهم أن نقارن كل شخص بنفسه؛ فإذا كان شخص ما يسجل عادةً 2 من 10 للانزعاج، فهل يرتفع الرقم إلى 4 أو 5 بصورة متكررة عندما تكون الليالي أشد حرارة ورطوبة؟

- لماذا لا تكفي درجة الحرارة؟

في دراسة واسعة اعتمدت على أكثر من 3.5 مليار منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، وجدت أن الحرارة الشديدة والبرد والمطر والرطوبة والغيوم ارتبطت جميعها بتعبيرات لغوية أكثر سلبية، لكن مثل هذه البيانات تقيس التعبير الجماعي على الإنترنت، وليس الحالة النفسية الطبية لكل فرد. وفي المقابل، توجد دراسات كبيرة لم تجد علاقة واضحة بين الطقس والاكتئاب، ما يذكرنا بأهمية عدم الخلط بين تقلب المزاج اليومي والاضطراب النفسي السريري.

كيف نثبت أن التغيّر مرتبط بالطقس؟ وهذه أصعب مرحلة؛ فإذا كان مزاج شخص أسوأ يوم الاثنين الحار، فهل السبب الحرارة أم العمل؟ وإذا كان سعيداً يوم الجمعة -رغم الحرارة- فهل السبب هو عطلة نهاية الأسبوع؟ لذلك نستخدم نماذج إحصائية تضبط عوامل مثل العمر، ويوم الأسبوع، ووقت القياس، ومدة ساعات النوم، والنشاط، والعمل أو الدراسة، والوقت المقضي خارج المبنى، والتعرّض للتكييف.

والتصميم الأقوى لا يقارن شخصاً بآخر فقط، وإنما يقارن الشخص بنفسه، مثلاً إذا كان متوسط انزعاج شخص هو 3 من 10، فهل يرتفع بصورة متكررة إلى 5 من 10 عندما ترتفع الحرارة المحسوسة كثيراً؟ وإذا تكرر النمط نفسه لدى مئات المشاركين، تصبح لدينا إشارة أقوى إلى وجود ارتباط مناخي.

- مؤشر الخليج العربي للمناخ والمزاج:

من هنا أقترح مشروعاً بحثياً يمكن تسميته مؤشر الخليج للمناخ والمزاج، ولا ينبغي أن يكون رقماً اعتباطياً، بل مؤشراً يتم تطويره والتحقق منه علمياً، يجمع بين الإجهاد الحراري، والرطوبة، وحرارة الليل، والنوم، والطاقة، والتركيز والتقييم المتكرر للمزاج.

وقد يكشف البحث مفاجأة، وهي أن الوقت الأكثر تأثيراً في مزاج الخليجي ربما لا يكون الساعة الثانية ظهراً، عندما تبلغ الحرارة ذروتها، وإنما الثانية صباحاً عندما يفشل الليل في أن يبرد بما يكفي، وعندها نستطيع الإجابة عن سؤال «هل الجو اليوم سيئ للمزاج؟» ليس بالانطباع وإنما بالبيانات. وهنا قد نصل إلى استنتاج أن الترمومتر لا يقيس المزاج، ولكنه قد يصبح أحد المفاتيح التي تساعدنا على فهمه.

* أستاذ الفيزياء التطبيقية