يبدأ مجلسا الشورى والنواب أعمال دور الانعقاد الخامس «الاستثنائي» من الفصل التشريعي السادس يوم الأحد القادم، وستشهد تلك الجلسة حدثاً استثنائياً بعد شغور منصب النائب الأول لرئيس المجلس، واختيار من يتولى هذا المنصب، وهي لحظة لا تتعلق فقط باختيار نائب أول لرئيس المجلس، بل تتعلق بصورة البحرين التي نريد أن نقدمها للأجيال القادمة، وبالرسالة التي نبعثها إلى المجتمع بأن الكفاءة لا جنس لها، وأن العمل البرلماني قد نضج بما يكفي.
ولا يعتبر الأمر جديداً على مملكة البحرين التي طالما كانت رائدة في دعم المرأة لتولي المناصب القيادية، فقد كنا سبّاقين بين دول العالم حين ترأست السفيرة فوزية عبدالله زينل منصب رئيس المجلس، وحين تولت -ومازالت- الدكتورة جهاد الفاضل منصب النائب الثاني لرئيس مجلس الشورى، وأثبتت كل منهما الكفاءة والجدارة.
وهذا التفوق وتلك الريادة لم تأتِ من فراغ، وإنما بجهود متراكمة وضع لبنتها المشروع الإصلاحي لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، واستكمل بناءها المجلس الأعلى للمرأة بقيادة صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة حفظها الله، فرأينا حقائب وزارية «نسائية» وقياديات في القطاعين العام والخاص تفوقن على كثير من الرجال.
ولذلك تبدو الفرصة حقيقية لأن تتولى امرأة منصب النائب الأول لرئيس مجلس النواب، وهو منصب يحقق التوازن الجندري في هيئة المكتب، ويؤثر بفاعلية في إدارة العمل التشريعي وصناعة التوافق الوطني وقيادة الجلسات وترتيب الأولويات البرلمانية، وإحداث فكر جديد في هذه الإدارة.
قد ينظر البعض لها من منظور المنافسة بين «رجل ضد امرأة»، ولكن البحرين بسياساتها المشهودة في تمكين المرأة، تضع نموذجها الفريد أمام برلمانات العالم وفي كافة المجالات، ونراها فرصة لتجديد الدماء وكسر الجمود، ولإثبات أن البحرين قادرة على الانتقال من مرحلة دعم المرأة نظرياً إلى تمكينها فعلياً في أعلى المواقع القيادية انتخاباً.
لقد أثبتت المرأة البحرينية، عبر عقود طويلة، أنها شريك أصيل في بناء الدولة الحديثة، وكانت البحرين رائدة في دخول المرأة للتعليم والتفوق في مجالات الطب والهندسة والقانون والإعلام والدبلوماسية والعمل العسكري والأمني والاقتصادي، ووصلت إلى مواقع متقدمة إقليمياً ودولياً، حتى أصبحت البحرين نموذجاً يُحتذى به في تمكين المرأة الخليجية والعربية.
وهناك من الكوادر التشريعية بهذا المجلس نساء حققن إنجازات متميزة في قيادة اللجان البرلمانية، ولذلك يرى كثيرون استحقاق إحداهن عن جدارة لهذا المنصب، لتكون صوت المرأة على المنصة المرتفعة جنباً إلى جنب مع رئيس المجلس ونائبه الثاني.
إن دعم امرأة لمنصب النائب الأول لرئيس مجلس النواب ليس مجاملة، وليس قراراً عاطفياً، بل خطوة إصلاحية ذكية تعكس نضج التجربة البحرينية وتؤكد أن معيار الاختيار يجب أن يكون القدرة والكفاءة والرؤية، كما تعودنا في النموذج الحكومي بقيادة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله، الذي وضع ركيزة الحداثة في قيادات الحكومة، فجاء بالشباب وعزّز حضور المرأة، فوجب على المجلس التشريعي الاقتداء بهذا النموذج.
يرغب الشارع البحريني اليوم في رؤية تدوير «حقيقي» للمناصب بين كفاءات وطنية فاعلة ويعلمها الجميع بعيداً عن الأنانية والاستحواذ العشوائي، فقد وثِق الشعب البحريني في المرأة وأوصلها للبرلمان، وهو ما يؤكد دعمه لها لتصل إلى مقعد قيادي يعبّر عن تطلعاته، ولا أشك لحظة في السعادة التي ستغمر ناخبي النائبة التي ستتولى منصب النائب الثاني لرئيس المجلس، فقد اختاروها عن قناعة وهم واثقون بقدراتها، وهي صوتهم في البرلمان.
هناك جيل جديد من الرجال والنساء يحمل فكراً مختلفاً، وروحاً وطنية صادقة، وقدرة على العمل بروح الفريق، وهي رؤية المشروع الإصلاحي وهؤلاء جيلها الحالي، ومن المؤكد أنهم قد وصلوا، والحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن المرأة، عندما تصل إلى موقع القرار، غالباً ما تضيف بُعداً مختلفاً في الإدارة والحوار والاحتواء، وتميل إلى تغليب لغة التوافق والعمل المؤسسي، بعيداً عن الاستقطابات الحادة والصراعات الشخصية التي تحدث في كثير من الأحيان.
إن انتخاب امرأة في هذا المنصب الرفيع سيشكّل رسالة حضارية قوية إلى الداخل والخارج، مفادها أن البحرين لا تكتفي بالشعارات، بل تؤمن فعلياً بمبدأ تكافؤ الفرص، وتمنح أبناءها وبناتها الحق ذاته في الوصول إلى أعلى المراتب.
كما أن هذه الخطوة ستكون انتصاراً لكل امرأة بحرينية اجتهدت وتعبت وصبرت، ولكل أم دفعت أبناءها وبناتها نحو التعليم والطموح، ولكل فتاة تؤمن أن سقف أحلامها يجب ألا تحدده النظرة التقليدية أو الحسابات القديمة.
إن اللحظة الحالية ليست مجرد تصويت على منصب، بل اختبار حقيقي لقدرة المجلس على قراءة نبض المجتمع، واستيعاب التحولات الوطنية، والانحياز إلى المستقبل بدلاً من البقاء أسرى للماضي.
لقد آن الأوان أن تُفتح الأبواب على مصاريعها أمام المرأة البحرينية لتجلس في المكان الذي تستحقه عن جدارة، لا باعتبارها استثناء، بل باعتبارها شريكاً كاملاً في صناعة القرار الوطني، فربما تكون هذه الفرصة الذهبية التي لن تتكرر كثيراً.. فهل سيقتنصها النواب؟
* قبطان - رئيس تحرير جريدة «ديلي تربيون» الإنجليزية