قبل 4 سنوات، حذرت الولايات المتحدة من أن الصين تستعد لإطلاق ما وصفته بـ«سلاح تجاري خارق»، يتمثل في شبكة رقمية مدعومة من الدولة يمكن أن تتوسع سريعاً حول العالم وتمنح بكين رؤية واسعة لحركة الشحنات الدولية.

لكن منصة «لوغينك» (LOGINK)، التي قدمتها الصين باعتبارها أداة لتسهيل التجارة والشحن العالميين، شهدت تراجعاً لافتاً، إذ توقفت شراكاتها الدولية الرئيسية، وانسحبت من جمعية دولية للنقل البحري، كما أصبحت غارقة في نزاعات قضائية داخل الصين بسبب فواتير غير مدفوعة، بحسب تحقيق أجرته «رويترز» استند إلى مقابلات مع أكثر من 20 من العاملين في قطاع الشحن ومسؤولين، إضافة إلى مراجعة ملفات قضائية.

وخلال زيارة أجرتها «رويترز» في سبتمبر لمركز عمليات «لوغينك» بمدينة ونتشو الساحلية، بدت المكاتب مهجورة، مع إطفاء الأنوار وخلو مكتب الاستقبال من الموظفين، فضلاً عن إزالة تمديدات الحواسيب.

ولم ترد «لوغينك» على الاتصالات ورسائل البريد الإلكتروني، فيما رفضت وزارة النقل الصينية الإجابة عن أسئلة «رويترز».

مشروع لتجميع بيانات الشحن العالمية

بدأت «لوغينك»، وهي اختصار للمنصة الوطنية الصينية للمعلومات العامة للنقل والخدمات اللوجستية، قبل نحو عقدين كمشروع تابع لحكومة مقاطعة تشجيانغ، بهدف تحسين تنسيق حركة البضائع عبر جمع بيانات الموانئ والشاحنات ومقدمي الخدمات في منصة واحدة قابلة للبحث.

وحظي المشروع لاحقاً بدعم صناع السياسات في بكين، قبل أن تنتقل السيطرة عليه إلى وزارة النقل الصينية، لتصبح عملية التوسع الدولي إحدى أولوياته.

وكانت المنصة تهدف إلى استبدال الإجراءات الورقية بنظام رقمي لتبادل بيانات الخدمات اللوجستية بين سلطات الجمارك والموانئ وشركات النقل والخدمات المرتبطة بها.

وفي عام 2010، أبرمت الصين اتفاقاً مع اليابان وكوريا الجنوبية لتبادل بيانات الشحن، وربطت «لوغينك» بمنصات المعلومات اللوجستية الوطنية في البلدين.

وبعد سنوات، وقعت المنصة اتفاقاً مع منصة لوجستية مقرها هونغ كونغ، قالت الصين إنه سيمنحها الوصول إلى أكثر من 90% من بيانات تتبع السفن العالمية.

وفي عرض قدمته وزارة النقل الصينية إلى لجنة تابعة للأمم المتحدة عام 2015، وصفت «لوغينك» بأنها بوابة واحدة مرتبطة بأنظمة المعلومات اللوجستية العالمية.

واشنطن تحذر من مخاطر المنصة

بدأت الولايات المتحدة في التصدي علناً لتوسع «لوغينك» في عام 2022، بعدما أصبحت المنصة جزءاً من مشروع دولي لتبادل البيانات يربط مشغلي المنصات الرقمية التي تسهل تبادل معلومات الشحن والجمارك في الموانئ.

وقال تقرير صادر عن لجنة أمريكية في الكونغرس إن مشاركة «لوغينك» في المشروع كانت ستضاعف تعاونها مع الموانئ الدولية.

وفي وقت لاحق، دعا عدد من المشرعين الجمهوريين الرئيس الأمريكي آنذاك جو بايدن إلى اتخاذ إجراءات ضد المنصة، وكان من بينهم ماركو روبيو، الذي يشغل حالياً منصب وزير الخارجية الأمريكي.

وحذر المشرعون من أن التوسع غير المقيد للمنصة قد يمنح الحزب الشيوعي الصيني سيطرة واسعة على «شرايين التجارة العالمية».

كما أقر الكونغرس قانوناً يمنع وزارة الدفاع الأمريكية من إبرام عقود مع جهات مرتبطة بـ«لوغينك»، ويوجه المسؤولين إلى ثني الحلفاء والشركاء عن استخدام المنصة.

وقال راندال شرايفر، رئيس لجنة في الكونغرس أصدرت تقريراً عن «لوغينك» عام 2022، إن الولايات المتحدة ساهمت في تراجع المنصة من خلال كشف الجهات التي كانت تستخدمها والتحذير منها.

مخاوف من جمع معلومات حساسة

أعرب مسؤولون أمريكيون وخبراء في الأمن عن مخاوف من إمكانية استخدام بكين للمنصة لجمع معلومات غير متاحة للعامة حول البضائع المتداولة وكمياتها وأسعارها، بما قد يساعد الشركات الصينية على منافسة الشركات الغربية.

كما أثار بعضهم احتمال استخدام «لوغينك» لتتبع شحنات عسكرية حساسة، بما في ذلك الأسلحة الأمريكية المتجهة إلى أوكرانيا وتايوان، والتي يمر جزء منها عبر شبكات الشحن التجارية.

لكن المنصة لم تكشف علناً الطبيعة الدقيقة وحجم البيانات التي تجمعها.

وفي إفادة قدمها مسؤول في «لوغينك»، لي تشاو، إلى مكتب الممثل التجاري الأمريكي عام 2024، قال إن المنصة لا تملك «القدرة على جمع معلومات تجارية حساسة أو مراقبة حركة الشحنات العالمية بشكل مستمر».

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية لـ«رويترز» إن واشنطن لن تسمح لمنصة تسيطر عليها بكين بـ«فرض قبضة خانقة على البيانات البحرية العالمية».

وأضاف أن الولايات المتحدة حظرت استخدام المنصة داخل الحكومة الأمريكية والبنية التحتية الحيوية للموانئ، ودعت حلفاءها وقطاع الشحن إلى التعامل مع التهديد بالجدية نفسها.

الشراكات الدولية تتوقف

بدأ تراجع «لوغينك» في السنوات الأخيرة، إذ انتهت مشاركتها في جمعية أنظمة مجتمع الموانئ الدولية عام 2024 بعد توقفها عن دفع رسوم العضوية، وفق شخص مطلع على الأمر.

وفي الفترة نفسها تقريباً، توقف موقع المنصة عن العمل، وتعود أحدث نسخة متاحة منه في أرشيف «واي باك ماشين» إلى يونيو 2024.

وأكدت المديرة العامة للجمعية، إنغا مورتون، أن «لوغينك» لم تعد عضواً، مشيرة إلى أن مشروع تبادل البيانات الدولي أصبح «معلقاً وغير نشط».

كما تعثرت المبادرة الدولية الرئيسية للمنصة مع اليابان وكوريا الجنوبية. وبعد عقد اجتماعات منتظمة بين الدول الثلاث منذ إطلاق الخدمة، ألغت الصين فجأة اجتماعاً كان مقرراً في مارس 2024، وعزت ذلك إلى «ظروف داخلية»، بحسب وزارة المحيطات والمصايد الكورية الجنوبية.

ولم تُعقد اجتماعات أخرى منذ ذلك الحين، فيما توقف وصول طوكيو إلى بيانات «لوغينك» عبر الخدمة من دون إشعار، وفق مسؤول في وزارة النقل اليابانية قال لـ«رويترز» في أغسطس إن اليابان فقدت الوصول إلى البيانات قبل أكثر من عام ولم تتمكن من التواصل مع نظرائها الصينيين.

توسع أوروبي بلا نتائج تذكر

لم تحقق جهود «لوغينك» للتوسع في أوروبا نتائج ملموسة أيضاً.

وقالت آنا ريتا روزا، المتحدثة باسم الهيئة المشرفة على ميناء سينس، أكبر موانئ البرتغال، لـ«رويترز» إن مذكرة تفاهم وقعتها الهيئة مع «لوغينك» عام 2017 لاستكشاف تبادل البيانات لم تؤد إلى نتائج مهمة.

كما قالت «بورت بيس»، المنصة الرقمية التي تدعم ميناء روتردام، أكبر موانئ أوروبا، إن مذكرة تفاهم وقعتها مع «لوغينك» عام 2019 لم تتجاوز مرحلة النقاشات الاستكشافية.

وأفاد شخص مطلع على الأمر بأن استفسارات الحكومة الهولندية بشأن العلاقة في أوائل 2022 ساهمت في قرار «بورت بيس» عدم مواصلة التعاون مع المنصة الصينية.

ورفضت الأطراف المعنية التعليق على ما إذا كان الضغط الدبلوماسي الأمريكي قد أثر على قراراتها.

نزاعات قضائية ومكاتب مهجورة

وفي الصين، واجهت «لوغينك» أيضاً سلسلة من النزاعات القانونية.

وبحسب ملفات اطلعت عليها «رويترز» عبر شركة «تشيتشا» المتخصصة في بيانات الشركات، واجه الكيان التجاري المسؤول عن مركز المنصة في ونتشو منذ يناير 2024 ما لا يقل عن 39 دعوى قضائية، يبلغ إجمالي قيمتها نحو 1.3 مليون دولار.

وتضمنت بعض القضايا نزاعات عمالية، فيما بدت أخرى مرتبطة بفواتير مرافق غير مدفوعة.

ومن بين المدعين شركة تابعة لـ«تشاينا موبايل»، التي رفعت دعوى ضد «لوغينك» في أكتوبر 2025 بشأن «نزاع تعاقدي حول تقديم خدمات». وأمرت محكمة لاحقاً «لوغينك» بدفع المبلغ، لكن الملفات لا توضح ما إذا تم السداد.

كما يبدو أن «لوغينك» تواجه خطر الإخلاء، بعدما نظر قاضٍ في مايو في دعوى تتعلق بـ«نزاع حول إيجار عقار» رفعتها الشركة الحكومية المطورة للمنطقة الصناعية التي يقع فيها مقر المنصة.

وعندما زارت «رويترز» المبنى في ونتشو، لم تجد أي مؤشرات على وجود نشاط داخله.

ورغم ذلك، بقي على أحد الجدران شعار كبير للحزب الشيوعي الصيني يتحدث عن خطط الصين لـ«الاستفادة من سلاسل التوريد العالمية» بحلول عام 2035، بينما كانت المكاتب والطاولات والكراسي مغطاة بالغبار.