على مدى سنوات متابعتي لسباقات الفورمولا وان، كان لسباق البحرين مكان خاص في نفسي، أتابع المنافسة وأتحمس لما يجري على المضمار، لكن سعادتي الأكبر كانت دائماً في رؤية العالم يجتمع على أرض البحرين؛ جماهير من بلدان مختلفة، وأعلام وأحاديث ولغات، يجمعها الشغف بالسباق، وتستقبلها البحرين بكل دفء وترحيب.

لهذا حملت متابعة جائزة البحرين الكبرى لطيران الخليج للفورمولا وان 2026، في نسختها الثانية والعشرين بماليزيا، شعوراً مختلفاً، افتقدت أجواء الصخير القريبة منا، لكنني وجدت ما يدعو إلى الاعتزاز في قدرة البحرين على تقديم تجربتها خارج حدودها، وعلى الاحتفاظ بحضورها الوطني في حلبة سيبانغ، رغم المسافة التي تفصلها عن الصخير.

وكانت «قرية البحرين» من أكثر التفاصيل التي استوقفتني، حيث أتاحت للجمهور التعرف على ثقافتنا من خلال الموسيقى والمأكولات والتقاليد والحرف، مع عروض حية للأعمال اليدوية. وفي محيط يمتلئ بأحدث تقنيات السيارات، حضرت تفاصيل من حياتنا وذاكرتنا، تمنح الزائر فرصة للتعرف على البلد الذي يحمل السباق اسمه.

وحملت الفعاليات المصاحبة شيئًا من الأجواء التي اعتدناها في البحرين، من الترفيه العائلي إلى العروض الفنية والموسيقية. كما امتدت اللمسات البحرينية إلى تقاليد التتويج بماء الورد، والكؤوس التي انتقلت من الصخير إلى سيبانغ، وهي تفاصيل تساعد في حفظ شخصية السباق، وتمنحه ملامح يعرفها جمهوره.

ومن هنا أقرأ حضور فريق البحرين باعتباره ثمرة سنوات من التعلم والعمل، منذ انطلاق أول سباق للفورمولا وان في المملكة عام 2004، ومع توالي السنوات، تراكمت خبرات في التنظيم والسلامة وإدارة الجماهير، وأصبحت الكفاءات البحرينية جزءاً مهماً من قيمة التجربة نفسها.

ويرتبط امتداد هذه المسيرة بالدعم والاهتمام الذي يوليه صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، لهذا السباق. وقد عبر حضور سموه في ماليزيا، ولقائه بالمارشال والمنظمين البحرينيين، واطلاعه على التحضيرات والفعاليات المصاحبة، عن اهتمام بالناس الذين يقفون خلف الحدث، وبالجهد الذي يبذلونه لتمثيل بلادهم.

وحين توج سموه ماكس فيرستابن، وأشاد بكفاءة فريق البحرين وقدرته على التنظيم خارج المملكة في ظروف استثنائية، حضرت أمامي دلالة أوسع لهذا السباق، البحرين تقدم للعالم خبرة أبنائها، وتفتح من خلال الرياضة أبواباً للتعاون والتعارف.

سأظل أحب ذلك الموعد الذي يجمع العالم في البحرين، وأنتظر عودة أجوائه إلى الصخير. لكن نسخة ماليزيا أضافت إلى هذه المحبة سبباً آخر للفخر، فقد حمل أبناء البحرين معهم خبرتهم وضيافتهم وثقافتهم، ومنحوا جمهوراً بعيداً فرصة للاقتراب من بلادنا، كانت ماليزيا مكان السباق، ولكن النكهة البحرينية كانت حاضرة في تفاصيله وفي الجهد الإنساني الذي صنعه.