تبحث إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع الصين إمكانية إجراء زيارات متبادلة للمواقع والمنشآت النووية، في خطوة تهدف إلى بناء الثقة بين البلدين وسط مخاوف أمريكية متزايدة من توسع الترسانة النووية الصينية، بحسب مصادر مطلعة تحدثت إلى شبكة «CNN».
وأوضحت المصادر أن المناقشات لا تزال أولية وغير رسمية، لكن إدارة ترامب تعتزم مواصلة طرح الفكرة خلال الاجتماعات المباشرة المرتقبة بين المسؤولين الأمريكيين والصينيين خلال الأشهر المقبلة.
مقترح صيني لزيارات متبادلة
وبحسب المصادر، طرحت الصين فكرة الزيارات المتبادلة خلال اجتماعات مع مسؤولين أمريكيين هذا العام، ما يشير إلى احتمال استعداد بكين لاتخاذ إجراءات لبناء الثقة يمكن أن تمهد لاتفاق أوسع بشأن الحد من المخاطر النووية.
وشملت المناقشات إمكانية زيارة المختبرات الوطنية التابعة لوزارة الطاقة الأمريكية والمنشآت الصينية المماثلة، فيما أبدت واشنطن استعدادها أيضاً لبحث زيارات إلى مواقع الاختبارات النووية.
وقالت المصادر إن معظم المناقشات النووية بين المسؤولين الأمريكيين والصينيين على المستوى العملي هذا العام جرت على هامش اجتماعات الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، المعروفة باسم مجموعة «P5».
مساعٍ لاتفاق ثلاثي مع روسيا
وترى واشنطن أن السماح بزيارات متبادلة للمواقع النووية يمكن أن يمثل خطوة في جهودها لإشراك الصين في قضايا الاستقرار الإستراتيجي، وربما يشكل أساساً لاتفاق ثلاثي يضم الولايات المتحدة وروسيا والصين.
وكانت فكرة التوصل إلى اتفاق للحد من التسلح النووي بين الدول الثلاث قد بدأت خلال الولاية الأولى لترامب، إلا أنها لم تحقق تقدماً ملموساً حتى الآن، ولم تبدأ مفاوضات رسمية بشأن اتفاق جديد، فيما تجاهلت الصين وروسيا إلى حد كبير مساعي واشنطن لإجراء مباحثات جوهرية.
وتأتي هذه التحركات أيضاً بعد انتهاء آخر اتفاق رئيسي للحد من الأسلحة النووية بين الولايات المتحدة وروسيا العام الماضي.
تفوق أمريكي مقابل توسع صيني
تمتلك الولايات المتحدة حالياً ترسانة نووية أكبر بكثير من الصين، إذ يبلغ عدد الرؤوس النووية الأمريكية نحو 5 آلاف، مقابل نحو 600 رأس لدى الصين.
لكن بكين تعمل على توسيع بنيتها التحتية النووية، وتشير التقديرات الواردة في التقرير إلى أنها قد تنتج مئات الرؤوس النووية الإضافية خلال العقد المقبل.
ورغم ذلك، لا تزال الصين ترفض الدخول في مناقشات يمكن أن تؤدي إلى تقييد توسع ترسانتها النووية، مستندة إلى الفارق الكبير بين حجم ترسانتها والترسانتين الأمريكية والروسية.
وكان الرئيس ترامب قد أعرب عن تأييده لمفاوضات ثلاثية للحد من الأسلحة النووية بين الولايات المتحدة وروسيا والصين خلال لقائه الرئيس الصيني شي جين بينغ الشهر الماضي، إلا أن مسؤولاً أمريكياً قال إن الزعيمين لم يناقشا خلال اللقاء إمكانية إجراء زيارات للمواقع النووية.
وأضاف المسؤول أن شي لم يبدِ استعداداً واضحاً لمناقشة اتفاق ثلاثي، مشيراً إلى أن الترسانتين الأمريكية والروسية أكبر من الترسانة الصينية، وهو الموقف الذي يستخدمه المسؤولون الصينيون بشكل متكرر لتجنب أي محادثات قد تؤدي إلى الحد من مخزون بلادهم قبل أن يقترب من مستوى الولايات المتحدة.
خبراء يرون فرصة لبناء الثقة
وقال بول دين، الذي شغل سابقاً منصب مساعد وزير الخارجية الأمريكي بالإنابة والمشرف على جهود الحد من الأسلحة، لـ«CNN» إن إدارة ترامب يجب أن تدخل أي مفاوضات نووية مع الصين «بعيون مفتوحة على مصراعيها»، لكنه وصف الزيارات المتبادلة بأنها «إجراء بالغ القيمة لبناء الثقة».
وأضاف دين، الذي يشغل حالياً منصب نائب رئيس مبادرة التهديد النووي، أن هذه الزيارات يمكن أن توفر أساساً معلوماتياً ودبلوماسياً للعمل على الحد من المخاطر النووية بين البلدين.
وقال دين: «هذا وقت خطير للغاية، وهناك عدد قليل جداً من الضوابط الوقائية القائمة في العلاقة النووية بين الولايات المتحدة والصين».
ومن المتوقع أن يلتقي ترامب وشي مرتين خلال الفترة المتبقية من العام، وبحسب المصادر، من المرجح أن تكون قد جرت مزيد من المناقشات على مستوى المسؤولين بشأن الزيارات النووية قبل اللقاءات المقبلة بين الزعيمين.
شكوك بشأن دوافع بكين
ورغم ترحيب خبراء ومسؤولين أمريكيين سابقين بالمحادثات، فإنهم لا يتوقعون أن تؤدي فوراً إلى اتفاق تاريخي للحد من الأسلحة.
وقال مسؤول أمريكي سابق شارك في محادثات غير رسمية مع الصين بشأن الاستقرار الاستراتيجي إن الفكرة «يجب أن تؤخذ على محمل الجد» ويمكن أن تكون «بداية رائعة».
في المقابل، شكك مسؤولون وخبراء سابقون في حقيقة استعداد الصين للمضي قدماً في المقترح، معتبرين أن بكين ربما طرحت الفكرة بهدف خلق أجواء إيجابية أو الظهور بمظهر الجاد في قضية الترسانات النووية، خصوصاً قبل القمم المرتقبة.
وقال مسؤول أمريكي سابق متخصص في القضايا النووية إن الصين قد تسعى من خلال طرح الفكرة قبل قمة كبيرة إلى «إرسال إشارات إيجابية»، بما يجعلها تبدو أكثر انفتاحاً في وقت ينخرط فيه الطرفان في الحوار.
واشنطن تختبر قدرات رصد التجارب السرية
وتزامنت هذه المناقشات مع استمرار المخاوف الأمريكية بشأن التجارب النووية السرية.
وكان ترامب قد قال قبل نحو عام إن الولايات المتحدة ستستأنف الاختبارات النووية «على قدم المساواة» مع الصين وروسيا، لكن لم تُعرف منذ ذلك الإعلان أي تجربة نووية أمريكية جديدة.
كما اتهمت إدارة ترامب الصين في وقت سابق من هذا العام بإجراء تجربة نووية سرية عام 2020 باستخدام تقنية تعرف باسم «الفصل الزلزالي»، تهدف إلى تقليل إمكانية اكتشاف الانفجار من خلال تنفيذه داخل تجويف فارغ لتقليل الاهتزازات الزلزالية.
وفي الأسبوع الماضي، أجرت إدارة الأمن النووي الوطني الأمريكية انفجاراً تجريبياً غير نووي تحت الأرض بقوة 16 طناً في موقع الأمن القومي بولاية نيفادا. وكان الاختبار الثاني ضمن سلسلة تجارب مستمرة منذ سنوات لمحاكاة التجربة الصينية المزعومة.
وبحسب متحدث باسم الوكالة، أتاحت التجربة اختبار وتقييم طرق ومعدات جديدة لاكتشاف مثل هذه الاختبارات السرية.
وقال مدير إدارة الأمن النووي الوطني براندون ويليامز في بيان للإعلان عن الاختبار: «لا يمكنك الإفلات من الابتكار الأمريكي».
كما تعمل إدارة ترامب على مقترح يهدف إلى ضمان إمكانية التحقق من عدم إجراء اختبارات نووية منخفضة القوة في المواقع النووية، وقد تطرح واشنطن المقترح على مجموعة «P5» في وقت لاحق من هذا العام، بحسب مسؤول أمريكي.
تايوان في صلب المخاوف الأمريكية
وقال جيرالد براون، الباحث في الشؤون العسكرية الصينية لدى مجلس العلاقات الخارجية، إنه «ليس متفائلاً بشكل خاص» بشأن إمكانية تحقيق تقدم سريع، لكنه وصف نظام الزيارات المتبادلة، في حال تطبيقه، بأنه «بصيص أمل محتمل» لتقليل المخاطر النووية بين واشنطن وبكين.
وأضاف براون، وهو محلل استخبارات سابق في وزارة الخارجية الأمريكية، أن التوسع النووي الصيني يرتبط بشكل وثيق بأهداف سياسية، خصوصاً طموحات بكين تجاه تايوان.
ويرى براون أن الصين تعاملت تاريخياً مع المحادثات النووية باعتبارها أداة للحصول على تنازلات سياسية بشأن تايوان، بدلاً من اعتبارها هدفاً سياسياً قائماً بذاته.
وقال دين لـ«CNN» إن معرفة ما يمكن أن تطرحه الصين فعلياً تتطلب الانخراط معها «بطريقة مدروسة وصارمة» لمعرفة ما إذا كان ذلك يصب في مصلحة الولايات المتحدة.
وأشار إلى وجود «مصلحة متبادلة وإقرار بأن المخاطر حقيقية»، مستشهداً بأزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، التي دفعت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي إلى اتخاذ بعض أولى إجراءات خفض المخاطر، ومنها إنشاء خط اتصال هاتفي يعمل على مدار الساعة.
وختم دين بالقول: «لا نحتاج إلى انتظار وقوع أزمة لبدء خفض المخاطر النووية. والمخاطر حقيقية جداً الآن».