حين قرأت خبر حل 45 جمعية ونادياً في مملكة البحرين، لم أتوقف عند الرقم بقدر ما توقفت عند سؤال أهم: لماذا نحتاج إلى هذا العدد الكبير من الجمعيات؟ وهل كثرة الكيانات تعني بالضرورة قوة العمل الأهلي؟
وأقول ذلك وأنا من رواد العمل التطوعي الذي بدأت به مشواري من عمر عشر سنوات إلى الآن، وأؤمن بأن هناك جمعيات أهلية تقدم عملاً قوياً ومفيداً، وتضيف للمملكة، وتترك أثراً حقيقياً في المجتمع، وتستحق كل الدعم والتقدير.
لكن العمل الأهلي «المدني»، كأي عمل مؤسسي، يحتاج إلى مراجعة وتقييم. فهناك جمعيات قد تتوقف عن النشاط، أو تتكرر أدوارها، أو تظهر فيها بعض الممارسات التي لا تنسجم مع الغاية التي أنشئت من أجلها.
وهذا القرار ليس تعطيلاً للعمل المدني كما يدعي البعض، بل يعد وقفاً للعبث والاستنزاف، وتنظيماً للعمل الأهلي ليبقى في مساره الصحيح: خدمة المجتمع وصناعة الأثر.
فالعمل المدني أسمى من أن يكون مجرد وسيلة لزيادة «البريستيج»، أو واجهة اجتماعية، أو جسر عبور للحصول على الدعم المالي.
وليس كل نشاط اجتماعي يحتاج إلى جمعية، وليس كل مساعدة تحتاج إلى كيان مستقل. والأهم ألا يتحول العمل الأهلي إلى تقديم مساعدات مستمرة؛ نريد أن نعطي الإنسان السنارة بدلًا من أن نعطيه السمكة كل يوم.
حتى الجمعيات الثقافية أو جمعيات الصداقة والتبادل بين الشعوب، وهي مجالات مهمة، يبقى السؤال: ما دورها اليوم؟ وما القيمة التي تضيفها؟
فالناس أصبحوا أكثر انشغالاً، والوقت والجهد التطوعي أصبحا أكثر قيمة. لذلك نحتاج إلى جمعيات حقيقية، فاعلة، متجددة، تعرف هدفها وتقيس أثرها.
نحن لا نحتاج إلى جمعيات أكثر، بل إلى مجتمع أكثر فاعلية. فالعمل الأهلي لا يُقاس بعدد الجمعيات، وإنما بما يتركه من أثر.
وإذا أردت أن تصنع أثراً إيجابياً، فلا تنتظر أحداً، ولا تنتظر أن تكون عضواً في جمعية حتى تبدأ. ابدأ بما تستطيع، فالمبادرة الصادقة قد تكون أحياناً أكبر من أي كيان.