قد ينسى الإنسان أول درس حفظه، وأول امتحان خافه، لكنه لا ينسى المعلم الذي رآه حين كان الآخرون يرون درجاته فقط. تظل في داخله كلمة أنقذته من الشعور بالعجز، ونظرة قالت له: تستطيع، هناك، في تلك اللحظة الصغيرة، يبدأ المعلم عمله الأعمق؛ يمنح إنساناً سبباً ليؤمن بنفسه، قبل أن يمنحه جواباً يكتبه على الورق.

في الخامس من أكتوبر، يوم المعلم، يستحق هذا الأثر أن نتوقف أمامه، ماذا يرى طالب اليوم حين ينظر إلى معلمه؟ صاحب معرفة، أم شريكاً في اكتشافها؟ وكيف نحفظ للمعلم مكانته في زمن يحمل فيه الطالب مكتبة في هاتفه، ويسأل الآلة فتجيبه خلال ثوانٍ؟

كانت صورة المعلم ترتبط بمن يضيء الطريق، واليوم تتكاثر الأضواء، ويختلط الضوء بالوهج الخادع لذلك تتعمق حاجتنا إليه؛ يعلم الطالب كيف يختار طريقه، وكيف يشك دون أن يفقد ثقته، وكيف يسأل دون أن يجرح، وكيف يختلف دون أن يهدم، فالمستقبل يحتاج عقلاً يزن المعرفة، وضميراً يسأل عما ستفعله بالإنسان، ولن تقاس قيمة تعليمه بعدد الإجابات التي يحفظها طلابه، وإنما بقدرتهم على اتخاذ القرار عندما تغيب الإجابات الجاهزة عنهم.

ومن هنا تبدأ المشاركة الحقيقية في التعليم، حين يسمح المعلم لطالبه أن يناقش ويجرب ويخطئ، فإنه يعترف بإنسانيته وقدرته على النمو، وحين يصغي الطالب ويجتهد ويحترم وقت الدرس وزملاءه، فإنه يتحمّل نصيبه من مسؤولية التعلم، كلاهما يبني الآخر؛ سؤال الطالب يوقظ معرفة المعلم، وخبرة المعلم تمنح السؤال عمقاً واتجاهاً.

الاحترام ينمو في هذه العلاقة من العدل والقدوة والثقة، للطالب حق في السؤال، وفي تقويم منصف، وفي كرامة لا تُمس بسبب خطأ، وللمعلم حق في التقدير، وفي بيئة تحفظ مكانته، وفي دعم يتيح له أداء رسالته، يقابل ذلك واجب المعلم في الإعداد والإنصاف والتجدد، وواجب الطالب في الجدية والأمانة وحسن الحوار. وحين تتوازن الحقوق والواجبات، تصبح الهيبة طمأنينة تسمح للعقل أن يعمل.

فهل نستطيع برمجة هذا التقدير؟ يمكن تنظيم السلوك، ووضع قواعد تحمي الجميع، لكن المحبة المعرفية لا يخلقها تعميم إداري. يتعلم الطفل احترام معلمه حين يسمع أسرته تقدّر جهده، وحين يرى مؤسسته تنصفه، وحين يجد فيه إنساناً يحترم طلابه. إن مجتمعاً يستخف بالمعلم أمام أبنائه يهدم بيديه الثقة التي يطالب المدرسة ببنائها.

وقد اتسعت دائرة التعليم خارج الصف؛ في المنزل نتعلم معنى المسؤولية، وفي المجتمع نختبر العدالة والتعاون، وفي الفضاء الإلكتروني تتشكل لغتنا وأذواقنا وأحكامنا. كل صاحب تأثير يحمل نصيباً من مسؤولية التربية، وإن بقي للمعلم المتخصص دوره في وصل هذه الخبرات وتصحيحها، فالإنسان المقبل تصنعه حلقات متصلة؛ وما تهدمه إحداها قد تعجز الأخرى عن ترميمه.

يبقى المعلم شعلة حين يجعل طلابه قادرين على حمل النور، وأجمل وفاء له أن يخرج من بين يديه إنسان يعرف، ويرحم، ويختار بمسؤولية. في يومه، لنسأل أنفسنا: ماذا بقي من معلمينا فينا؟ ثم ننظر إلى أبنائنا ونسأل: ماذا سيبقى منا فيهم؟ فغداً، حين يواجهون العالم وحدهم، سنكون حاضرين في قراراتهم؛ إما بصيرة تهدي، وإما ظلاً يعوق. وتلك هي أمانة التعليم: أن يغيب المعلم عن العين، ويبقى حاضراً في الضمير.

* إعلامية وباحثة أكاديمية