بقلم: م. غادة محمد السيد
تركت الساحة الفنية في البحرين قامةً فنيةً قلّ مثيلها: الفنانة بلقيس فخرو، بشخصها الهادئ المتواضع الراقي، الذي يحمل هاجس الوعي الفني والثقافي في حضورها ونشاطها وعطائها الفني.
وفي مسافاتٍ تمتد من واقع الحياة البسيطة إلى التجريد، تربط حرفيتها في إبداع الألوان أعمالَها ببناءٍ متلاحم لا ينتمي إلى المألوف، وإنما يأخذ المتلقي إلى مساحاتٍ وجودية للتأمل. ألف رحمة وسلام لروحها، ولتكن جنانُ الله مثواها بإذنه.
من يدخل صالة الفن؟ ومن لا يدخلها؟ ولماذا؟
عودة إلى موسم المعارض والنشاط الفني، يمكن للمتابع أن ينتقل من افتتاح إلى آخر سواء معرض سنوي، أو صالة خاصة، أو مؤسسة فنية، أو مساحة جديدة، أو تجربة لفنان شاب.
والمشهد بلا شك، أكثر تنوعاً مما كان عليه قبل سنوات. ومع ذلك ثمة ملاحظة يصعب تجاهلها لمن يتابع هذه الافتتاحات باستمرار: الوجوه مألوفة.
نلتقي الفنانين أنفسهم، والمهتمين أنفسهم، والمقتنين والأصدقاء والمتابعين الذين ينتقلون من معرض إلى آخر. وهي ملاحظة انطباعية وليست إحصائية؛ إذ لا تتوافر حتى الآن بيانات منشورة كافية تخبرنا من يزور معارضنا، وأعمار الزوار، وكم منهم يزور صالة فنية للمرة الأولى، وكم يعود إليها.
وبالرغم من أن بعض المؤسسات الثقافية الفنية بدأت بإعادة تعريف وظيفة المكان الفني نفسه، بحيث لا تضع عرض الأعمال هدفاً وحيداً لها، بل تعلن ضمن رسالتها إشراك المجتمع، وتثقيف الجمهور، وفتح المجال للحوار النقدي والاجتماعي، بالإضافة إلى المؤسسات التي تجمع صالة العرض باستوديوهات الفنانين وورش التدريب والتصميم الرقمي والطباعة، وتضع ضمن أهدافها نشر الوعي الفني في المجتمع وربط الفنان بالجمهور.
لكن المكان وحده لا يصنع جمهوراً! نجحت البحرين، عبر عقود، في تكوين حركة تشكيلية مستمرة؛ واليوم يتسع المشهد لجيل جديد من الفنانين والقيّمين والمساحات المستقلة. غير أن المرحلة المقبلة ربما تحتاج إلى سؤال مختلف: هل نما المتلقي بالقدر نفسه الذي نما فيه الفنان والمؤسسة؟
فدخول الصالة الفنية ليس أمراً طبيعياً لدى الجميع. قد يراها البعض مكاناً للنخبة، أو للفنانين والمقتنين، وقد يشعر آخر بأنه لا يمتلك المعرفة التي تسمح له بفهم ما يُعرض.
وهناك أيضاً تصورات اجتماعية وثقافية مختلفة تجاه الفنون البصرية، وربما شيء من الحذر تجاه بعض أشكال الفن المعاصر.
وهذه حواجز لا ينبغي مواجهتها بالتعالي أو بإخبار الناس أنهم «لا يفهمون الفن»، بل بفهم أسبابها أولًا. فالثقافة البصرية لا تُفرض، وإنما تُبنى بالألفة. وقد يكون علينا لذلك أن نعيد التفكير في علاقتنا بالجمهور قبل أن نطلب من الجمهور تغيير علاقته بالفن.
ماذا لو تغيرت لغة الحديث عن الفن؟
ليس على الزائر أن يعرف التجريد أو المفاهيمية أو تاريخ الفن قبل أن يدخل المعرض. يكفي أن يجد من يقول له: انظر. ماذا ترى؟ ماذا يذكّرك هذا العمل؟ هل أعجبك؟ لماذا؟ فالسؤال الصادق قد يفتح بابًا أوسع من شرح طويل.
وهنا ربما تقع مسؤولية مشتركة على الفنان والصالة والناقد والإعلام والمدرسة. فنجاح الموسم الفني لا ينبغي أن يُقاس بعدد الافتتاحات وحده، وهذا ما أكدته الكاتبة سعدية مفرح في مقال مهم تتساءل فيه: «هل هناك حياة ثقافية أم جدول فعاليات؟» في عدد أكتوبر من «العربي الجديد».
إنما نجاح الموسم يُقاس بقدرته على توسيع الدائرة: أن نرى وجوهاً جديدة، وعائلات، وطلاباً، وأشخاصاً لا ينتمون أصلاً إلى الوسط الفني.
ولا يحتاج الفن أن يدخل في مواجهة مع قيم المجتمع أو معتقداته. على العكس، يستطيع أن يبدأ من المكان الذي يقف فيه الناس: من الذاكرة، والبيت، والبحر، والحرفة، والخط، والعمارة، والطبيعة، ثم يفتح منها أبواباً إلى أشكال أكثر حداثة وتجريباً. الألفة قد تكون الطريق إلى الفضول، والفضول بداية المعرفة.
قد لا يستطيع الفن إصلاح كل ما يعانيه المجتمع، لكنه يمكن أن يرتقي بالذائقة الجمعية له. وقد يستطيع الفن أن يوفر مساحات صغيرة للفضول والحوار والعمل المشترك وقبول الآخر المختلف.
وتشير الأبحاث الحديثة بالفعل إلى أن المشاركة الثقافية المتجذرة في المجتمع، والمشاركة في صنع التجربة لا مجرد مشاهدتها، من أكثر الجوانب ارتباطًا ببناء الوعي والتواصل المجتمعي المنتج، بعيدًا عن قلق المقارنات والفوارق.
لذلك، ربما يكون السؤال الذي نحتاج إلى طرحه عند تخطيط معرض أو برنامج ثقافي جديد ليس فقط: ماذا سنعرض؟ بل ماذا يمكن أن يحدث بين الناس هنا؟
فالمجتمع الواعي ليس المجتمع الذي يتشابه أفراده، بل الذي يطوّر مهارات التواصل لإيجاد أماكن آمنة يلتقون فيها رغم اختلافهم. وقد يكون الفن أحد هذه الأماكن. حينها فقط لن نرى الوجوه نفسها في كل افتتاح.
وقد تتسع الدائرة شيئاً فشيئاً، ويخرج الفن من كونه موعداً للنخبة، ليصبح موعداً طبيعياً لكل فئات وأطياف المجتمع.