كلما عدت بذاكرتي إلى أيام المدرسة، حضرت وجوه معلمات ما زلت أحتفظ لهن بمحبة وتقدير، أتذكر اهتمامهن بنا، وصبرهن على أسئلتنا، وقدرتهن على ملاحظة ما نخفيه أحيانًا من قلق أو حزن، كن أمهات داخل المدرسة؛ يسألن عن الغائبة، ويطمئن على المتعبة، ويمنحن من فقدت ثقتها بنفسها فرصة للمحاولة من جديد.
ولهذا بقيت في ذاكرتي تفاصيل جميلة من تلك السنوات، قد أنسى درساً أو نتيجة امتحان، لكنني ما زلت أذكر كلمة تشجيع جاءت في وقتها، ومعلمة شرحت مرة أخرى حتى نفهم، وأخرى رأت في طالبة قدرة لم تكن تراها في نفسها.
في يوم المعلم العالمي، أفكر في هذا الأثر الذي يصعب قياسه، فالمعلم يدخل الصف ومعه درس، لكنه يجد أمامه طلبة يختلفون في قدراتهم وظروفهم واستعدادهم للتعلم، منهم من يسأل بسهولة، ومن يخشى أن يخطئ، ومن يحتاج إلى اهتمام إضافي حتى يجد طريقه إلى الفهم.
والمعلم الذي يوقد شعلة المعرفة في طلبته هو من يجعلهم يرغبون في السؤال والبحث، يمنحهم مساحة للتفكير، ويساعدهم على فهم الخطأ والتعلم منه، ويشجعهم على التعبير عن آرائهم باحترام، تلك خبرات ترافق الإنسان خارج المدرسة، في عمله وعلاقاته والقرارات التي يتخذها.
استوقفتني في احتفال وزارة التربية والتعليم بهذه المناسبة لفتة تكريم المعلمين من محاربي السرطان، فيها تقدير لأشخاص يواجهون ظروفاً صحية صعبة، ويحملون في الوقت نفسه مسؤولية تربوية، والأهم ما صاحبها من تأكيد تفهم ظروفهم وتقديم الدعم لهم، فالمعلم الذي يعتني بطلبته يحتاج بدوره إلى من يراعي صحته ويقف إلى جانبه.
كما أن تكريم المعلمين المتميزين يتيح لنا الالتفات إلى جهد يومي لا نرى كل تفاصيله، وراء الحصة تحضير وتصحيح ومتابعة، ومحاولات لتبسيط فكرة أو مساعدة طالب تعثر في فهمها، وقد يمتد التفكير في احتياجات الطلبة إلى ما بعد انتهاء اليوم الدراسي.
ومن هنا، أرى أن تقدير المعلم ينبغي أن يظهر في حياتنا اليومية أيضاً، في احترام وقته، والثقة بخبرته، والتعاون معه، وتوفير التدريب والظروف التي تساعده على أداء عمله.
أعود في هذا اليوم إلى معلماتي، وإلى ما تركنه في نفسي من ذكريات وأثر، وأتمنى أن يجد كل طالب وطالبة ذلك الاهتمام الذي عرفناه، وأن يجد كل معلم ومعلمة التقدير والمساندة اللذين يستحقانهما، فبناء الأجيال يبدأ من الصف المدرسي، ومن شخص يؤمن بأن أمامه إنساناً يستحق أن يتعلم، وأن يثق بقدرته على التعلم.