لم يعد التوطين الصناعي في دول الخليج العربي مجرد خيار تنموي أو أداة لتنويع مصادر الدخل، بل أصبح ضرورة استراتيجية تفرضها التحولات المتسارعة في الاقتصاد العالمي، وما يرتبط بها من أزمات جيوسياسية واضطرابات في سلاسل الإمداد. ومن هذا المنطلق، تكتسب مضامين كلمة صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز

بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود وزير الطاقة وزير الصناعة والثروة المعدنية بالمملكة العربية السعودية، في منتدى «صُنع في الخليج» أهمية خاصة؛ إذ تطرح التوطين بوصفه مدخلاً لتعزيز الاستقلال الاقتصادي الاستراتيجي، وترسيخ القدرة على مواجهة الأزمات، وبناء قاعدة إنتاجية أكثر استدامة.

وتؤكد التجارب الإقليمية أن الأزمات لا تُقاس آثارها بالخسائر المباشرة فحسب، بل بما تكشفه من مواطن الضعف في البنية الاقتصادية واللوجستية. فقد دفعت الحرب العراقية الإيرانية وغزو الكويت، ومضاعفات ما أنتجته الحرب الأخيرة، دول المنطقة إلى إعادة النظر في مفهوم أمن الطاقة واستمرارية الإمدادات. وفي هذا السياق، يمثل خط أنابيب الشرق والغرب نموذجاً للبنية التحتية التي تتجاوز وظيفتها الاقتصادية المباشرة، لتؤدي دوراً استراتيجياً في تنويع مسارات نقل الطاقة وتقليل مخاطر الاعتماد على منفذ واحد. ومن منظور استشرافي، تبرز الحاجة إلى الانتقال من التوطين داخل الحدود الوطنية إلى التكامل الصناعي الخليجي. فامتلاك كل دولة قدرات إنتاجية منفردة لا يضمن بالضرورة بناء اقتصاد إقليمي متين، ما لم تتكامل هذه القدرات ضمن منظومة مشتركة تشمل الطاقة والتعدين والصناعة والخدمات اللوجستية. ومن شأن هذا التكامل أن يتيح توزيعاً أكثر كفاءة للأدوار، ويحد من تكرار الاستثمارات، ويعزز نشوء سلاسل قيمة خليجية قادرة على المنافسة في الأسواق الدولية.

غير أن التوطين الحقيقي لا يقتصر على تصنيع المنتجات أو تجميعها محلياً، بل يتطلب امتلاك المعرفة المرتبطة بها. فالقيمة الاستراتيجية للصناعة تتجسد في القدرة على تطوير التقنيات، وتصميم الحلول، وإجراء أعمال الصيانة والتحديث، ثم الانتقال إلى تصدير الخبرة والمنتج معاً. وهذا يستدعي توثيق الصلة بين الجامعات ومراكز البحث والشركات، وتوجيه الإنفاق نحو الابتكار بدل الاكتفاء باستيراد التكنولوجيا.

ويظل رأس المال البشري العامل الحاسم في نجاح هذه المنظومة. فرفع معدلات التوطين في قطاعات الطاقة والتعدين والصناعة يستلزم إصلاحاً متكاملاً في التعليم والتدريب المهني، بحيث تتوافق مخرجاته مع احتياجات سوق العمل الفعلية. كما يتطلب توفير مسارات مهنية واضحة، وبرامج تدريب تطبيقية، وشراكات طويلة الأمد بين المؤسسات التعليمية والقطاع الصناعي.

وعليه، فإن «صُنع في الخليج» يمكن أن يتحول إلى مشروع استراتيجي يتجاوز البعد الصناعي، ليؤسس لاقتصاد خليجي أكثر تكاملاً ومرونة، وقادر على إنتاج المعرفة والفرص وحماية مصالحه في بيئة دولية.