لم تعد السياحة في عالم اليوم رحلةً عابرة تنتهي عند بوابة الفندق، ولا موسماً قصيراً تقاس حصيلته بعدد الغرف المشغولة، إنها صناعة للثقة، ورسالة سياسية هادئة، وقوة ناعمة تستطيع أن تقول عن الدول ما قد تعجز عنه الخطب الطويلة، ومن هنا، فإن الاجتماع العاشر لوزراء السياحة بدول مجلس التعاون الخليجي، برئاسة مملكة البحرين، خطوة في طريق الانتقال من نجاحات سياحية متفرقة إلى مشروع خليجي متكامل.
لقد أدركت البحرين مبكراً أن موقعها الصغير على الخريطة لا يحدّ من قدرتها على التأثير؛ فهي تملك تاريخاً عريقاً، ومجتمعاً منفتحاً، وبيئة ثقافية تجمع بين البحر واللؤلؤ والأسواق القديمة والفعاليات الحديثة، وحين تتحرك اليوم مع شقيقاتها في مجلس التعاون لتنسيق البرامج، وتبادل الخبرات، وتوحيد الجهود الترويجية، فإنها لا تتنازل عن خصوصيتها، وإنما تمنحها نافذة أوسع للوصول إلى العالم.
وكشفت التوترات الإقليمية المرتبطة بالحرب الإيرانية الأخيرة، وما سبقها من أزمات، أن السياحة من أكثر القطاعات حساسية تجاه القلق والشائعات وتعطل الرحلات، لكنها أثبتت أيضاً أن دول الخليج لم تبدأ تعاونها بعد الأزمة، بل كانت قد وضعت قبلها لبنات استباقية مهمة، ولهذا استطاعت التعامل مع المستجدات بمرونة عالية، مستندة إلى الأمن، وكفاءة البنية التحتية، وتكامل المطارات والناقلات الوطنية، وسرعة التنسيق بين مؤسساتها.
أما الخطوة الأهم اليوم، فهي تحويل الخليج في ذهن السائح من ست وجهات متنافسة إلى تجربة واحدة متعددة الوجوه، فالتأشيرة السياحية الخليجية الموحدة، وتطوير رزنامة مشتركة للفعاليات، وتوحيد الإرشاد السياحي، وإعداد دليل للتصنيف الفندقي؛ ليست ترتيبات إدارية جامدة، بل مفاتيح لرحلة يستطيع فيها الزائر أن يبدأ من المنامة، ويمضي إلى الرياض ومسقط والدوحة والكويت وأبوظبي ودبي.
هذا التكامل يطيل مدة إقامة السائح، ويرفع إنفاقه، وينشط الطيران والفنادق والمطاعم والأسواق والصناعات الثقافية، ويفتح فرصاً أوسع للشباب والمؤسسات الصغيرة، كما يمنح دول المجلس قدرة تفاوضية وتسويقية أكبر في الأسواق الدولية، ويعيد تقديم الخليج باعتباره مساحة للأمان والتنوع الإنساني.
غير أن نجاح المشروع يتطلب أن يصل أثره إلى الإنسان الخليجي، والمطلوب مسارات مشتركة للتراث والبحر والرياضة والفنون، وتسهيلات عملية للتنقل، ومنصات رقمية موحدة، ومشاركة حقيقية للحرفيين والمرشدين ورواد الأعمال.
عندئذ تصبح السياحة أكثر من مورد اقتصادي؛ تصبح لغةً خليجية مشتركة. وتكون البحرين، بحجمها الجغرافي الرشيق وثقلها الحضاري، جسراً لا محطة، وصوتاً هادئاً يثبت أن القوة الناعمة لا تحتاج دائماً إلى مساحة، بل إلى رؤية تعرف كيف تجعل العالم يرغب في الاقتراب منها.
* إعلامية وباحثة أكاديمية