أ. د. جهان العمران

إن الحزن تجربة إنسانية عميقة، لا تسير وفق مراحل ثابتة أو جدول زمني موحد. فلكل إنسان طريقته في استيعاب الفقد والتكيّف معه، تبعاً لطبيعة علاقته بالراحل، وظروف الوفاة، وشخصيته، وما يتوافر له من موارد نفسية واجتماعية. وعلى الرغم من خصوصية كل تجربة، يمكن ملاحظة مسارات شائعة تساعدنا على فهم تنوّع الاستجابات الإنسانية للفقد.

يتمثل المسار الأول في الحزن الحاد ثم التعافي التدريجي. ففي الأيام والأسابيع الأولى، قد تشتد مشاعر الألم والحنين، ويكثر البكاء والانشغال بالراحل، وتتأثر القدرة على النوم والتركيز وممارسة الأنشطة اليومية. ومع مرور الوقت، تخف حدة هذه المشاعر تدريجياً، ويستعيد الإنسان قدرته على العمل والتواصل والاستمتاع بالحياة. ولا يعني التعافي نسيان الراحل، بل تعلم العيش مع غيابه، مع الاحتفاظ بذكراه بوصفها جزءاً من الحياة.

أما المسار الثاني فهو المرونة النفسية المبكرة، حيث يحتفظ بعض الأشخاص بقدر من التوازن منذ بداية الفقد، ويواصلون أداء مسؤولياتهم دون انهيار واضح. وقد يظن المحيطون بهم أنهم لا يشعرون بالحزن بما يكفي، لكن هدوء استجابتهم لا يعني غياب المحبة أو إنكار الخسارة. فقد تساعدهم مواردهم النفسية، وشبكة الدعم المحيطة بهم، ورؤيتهم للحياة على استيعاب الفقد دون اضطراب شديد.

ويتمثل المسار الثالث في الحزن المتأخر، الذي لا تظهر علاماته بوضوح عقب الفقد، وإنما تبرز بعد شهور أو سنوات. فقد تسهم المسؤوليات العائلية أو الانشغال المهني، أو التوقعات الاجتماعية في تأجيل التعبير عن الألم. وحين تتغير الظروف، أو يحدث فقد جديد، قد تعود مشاعر الحزن المرتبطة بالخسارة السابقة بقوة، فيشعر الإنسان وكأنه يواجهها للمرة الأولى.

أما المسار الرابع فهو الحزن المتقلب أو المتذبذب، حيث ينتقل الإنسان بين فترات من الاستقرار والانخراط في الحياة، وأخرى من الحزن والانسحاب، ولا سيما في المناسبات أو عند استحضار الذكريات. ولا يعني هذا التذبذب بالضرورة تراجعاً في التكيّف؛ فقد يضحك الإنسان ويستمتع بلحظاته، ثم تداهمه موجة من الحنين، دون أن يلغي أحد الشعورين الآخر. وهكذا يمكن أن تتعايش مشاعر الحزن مع لحظات الفرح ضمن مسار طبيعي للتكيّف مع الفقد.

تمثل هذه المسارات الأربعة وجوهاً متعددة للتكيف الطبيعي مع الفقد. وفي المقابل، قد يتخذ الحزن مساراً آخر هو الحزن المطول أو المعقد، حيث تبقى مشاعر الفقد شديدة ومهيمنة، ويواجه الإنسان صعوبة كبيرة في تقبّل واقع الرحيل واستعادة أدواره وعلاقاته. وقد يبدو له أن الزمن توقف عند لحظة الفقد، وأن الحياة فقدت معناها.

ولا يتحدد هذا المسار بمجرد استمرار الحزن أو بقاء الحنين، بل بشدة المعاناة وتأثيرها الواضح في الحياة اليومية. فقد تتعطل قدرة المفجوع على أداء مسؤولياته، ويشتد انعزاله، ويضطرب نومه وشهيته للطعام، وقد تصاحب ذلك أعراض اكتئابية أو شكاوى جسدية. وعندما يستحوذ الحزن على حياة الإنسان ويعوق قدرته على التكيّف، تصبح المساعدة النفسية المتخصصة ضرورية لدعمه واستعادة قدرته على الانخراط في الحياة.

إن اختلاف مسارات الحزن يذكّرنا بأنه لا توجد طريقة واحدة صحيحة للحزن تنطبق على جميع المفجوعين. فالتكيّف السليم مع الفقد له مسارات مختلفة، ويختلف إيقاعه من شخص إلى آخر، بينما يستدعي الحزن المطول أو المعقد اهتماماً متخصصاً لما يسببه من معاناة وتعطل في الحياة اليومية.

وختامًا، لكل إنسان إيقاعه الخاص في تعلم التكيف مع الفقد. ومن واجبنا احترام هذا الإيقاع، وتقبل اختلافه، والاعتراف بمشاعر صاحبه، وتقديم الدعم الذي يحتاج إليه دون استعجال تعافيه أو الحكم على طريقة حزنه، فالتكيف النفسي مع الحزن له وجوه متعددة إلى أن يصل الفاقد إلى مرفأ الشفاء والتعافي بالصبر والإيمان والرضا بقضاء الله تعالى.

* من كتاب «سيكولوجية الفقد والحزن: نحو التكيف النفسي، وبناء المعنى والنمو».

* أكاديمية وباحثة