إن اهتمام مملكة البحرين بحفظ التراث الوطني وصون المعالم التاريخية والبيوت التراثية، يؤكد أن تراث مملكة البحرين ليس مجرد شواهد من الماضي، وإنما هو جزء أصيل من هوية الوطن وذاكرته الثقافية، ومن مسؤوليتنا أن نحافظ عليه وننقله إلى الأجيال القادمة.

ومن هذا المنطلق، أتقدم بمقترح وطني يوجه لفكرة مشروع حضاري لحماية ذاكرة مملكة البحرين من خلال إنشاء متحف خاص لهواة جمع مواد التراث الشعبي تحت مسمى «متحف الهواة الوطني».. وذلك حين تتحول مقتنيات الهواة من مجموعات شخصية إلى ذاكرة وطنية.

يمثل التراث الشعبي ذاكرة الشعوب الحية، فهو لا يقتصر على المعالم التاريخية والبيوت التراثية والمواقع الأثرية، وإنما يشمل أيضاً الأدوات ومختلف المقتنيات الشخصية والوثائق والصور والحرف والمواد التي استخدمها الأجداد في حياتهم اليومية، والتي تكشف لنا جانباً مهماً من أساليب معيشتهم ووسائل تكيفهم مع البيئة الطبيعية والظروف المحيطة بهم.

وفي مملكة البحرين، يمتلك عدد من المواطنين وهواة جمع التراث مجموعات ومقتنيات تراثية ثمينة جمعوها على مدى سنوات طويلة، وبذلوا في سبيل المحافظة عليها جهوداً مادية ومعنوية كبيرة.

غير أن بقاء هذه المجموعات داخل المتاحف الشخصية أو البيوت الخاصة يجعل بعضها عرضة للتلف أو الاندثار والتصرف بالبيع والمتاجرة بها بسبب الحاجة للمادة، وقد تورث ويسيء الورثة التصرف في تلك المقتنيات، كما أن احتمال انتقال بعض هذه المقتنيات إلى خارج الوطن، سواء بالبيع أو الإهداء أو بغير ذلك، يعني فقدان جزء من الذاكرة المادية للمجتمع البحريني.

ومن هنا تبرز فكرة إنشاء «متحف الهواة الوطني» كمشروع ثقافي وحضاري يمكن أن تتبناه الجهة الرسمية المختصة بالتراث والآثار، بحيث يتحول إلى مظلة وطنية تحتضن أصحاب المتاحف والمجموعات التراثية الخاصة، وتحافظ على ما جمعوه من مقتنيات داخل مملكة البحرين.

- من متاحف شخصية إلى ذاكرة وطنية:

تقوم الفكرة على إنشاء مجمع متحفي وطني يضم عدداً من الأجنحة والأقسام، بحيث يخصص كل جناح أو قسم لمجموعة أحد هواة جمع التراث، مع المحافظة قدر الإمكان على خصوصية مجموعته وطريقة عرضها.

ويحمل كل جناح اسم صاحبه، ويُوضع عند مدخله تعريف به وسيرة مختصرة توضح جهوده في جمع المقتنيات والمحافظة عليها، ليصبح اسم الهاوي جزءاً من قصة حفظ التراث الوطني.

وهنا لا يكون الهاوي مجرد مالك لمجموعة من الأشياء القديمة، بل يُنظر إليه باعتباره مساهماً وشريكاً في حفظ الذاكرة الشعبية البحرينية، وتُوثق جهوده للأجيال القادمة.

- حماية الموروث من التشتت والخروج من الوطن:

من أهم أهداف المشروع أن يوفر لأصحاب المقتنيات التراثية خياراً وطنياً يحافظ على مجموعاتهم داخل مملكة البحرين، بدلاً من اضطرارهم إلى بيعها أو نقلها خارج البلاد بسبب عدم توافر المكان المناسب لحفظها وعرضها في بيوتهم.

فالقطعة التراثية قد تبدو في ظاهرها مجرد أداة قديمة، لكنها في حقيقتها قد تحمل معلومات عن مهنة أو حرفة أو أسلوب حياة أو عادة اجتماعية أو مرحلة تاريخية معينة.

ولذلك فإن جمع هذه المقتنيات في إطار مؤسسي لا يعني جمع الأشياء القديمة فحسب، وإنما يعني جمع الشواهد المادية التي تساعد على قراءة تاريخ المجتمع البحريني وحياة أفراده.

- شراكة بين الدولة وأصحاب المجموعات:

يمكن أن يقوم المشروع على شراكة واضحة بين الجهة الرسمية وأصحاب المتاحف الخاصة؛ فتتولى الجهة المسؤولة توفير المكان وتجهيزه، ووضع أنظمة الحفظ والصيانة والأمن، وتوفير المرشدين والخدمات اللازمة للزوار، إلى جانب توثيق المقتنيات وتصنيفها وفق أسس علمية.

وفي المقابل، يبقى أصحاب المجموعات شركاء أساسيين في المشروع، لما يمتلكونه من معرفة بتاريخ مقتنياتهم ومصادرها وقصصها واستخداماتها، ويمكن أن يكون إشرافهم على أجنحتهم المتحفية جزءاً من هذه الشراكة.

كما يمكن وضع نظام قانوني واضح يحدد ملكية المقتنيات وحقوق أصحابها، وآليات عرضها وصيانتها وتأمينها، بما يضمن حقوق الجميع ويشجع المزيد من الهواة على الانضمام إلى المشروع.

- مورد اقتصادي لأصحاب المتاحف:

ولكي يكون المشروع جاذباً ومستداماً، يمكن أن تحدد الجهة المسؤولة رسوماً مناسبة لدخول المجمع، على أن يُخصص جزء من الإيرادات لتغطية تكاليف التشغيل والصيانة والحراسة والتطوير، ويُوزع ما يتراكم من صافي الإيرادات وفق نظام سنوي عادل على أصحاب الأجنحة والمجموعات المشاركة.

وبذلك لا يكون المشروع عبئاً مالياً على الدولة وحدها، بل يمكن أن يتحول تدريجياً إلى مؤسسة ثقافية ذات موارد تساعدها على الاستمرار والتوسع، وفي الوقت نفسه تمنح أصحاب المجموعات تقديراً مادياً ومعنوياً على جهودهم.

- متحف للزائر ومركز للمعرفة:

ولا ينبغي أن يكون «متحف الهواة الوطني» مجرد مكان لعرض المقتنيات، بل يمكن أن يتحول إلى مركز ثقافي وتعليمي متكامل، يضم مرافق للبحث والتوثيق، وقاعات للصور والوثائق، ومساحات للحرف التقليدية والعروض الحية، وبرامج تعليمية للطلبة، ومحاضرات وندوات حول تاريخ المجتمع البحريني وتراثه.

كما يمكن أن يستفيد المشروع من التقنيات الحديثة في إنشاء قاعدة بيانات رقمية للمقتنيات، وتصويرها وتوثيقها، وربط كل قطعة بقصتها ومصدرها واستخدامها، بما يتيح للأجيال الجديدة التعرف على تراث أجدادها بصورة أكثر قرباً ووضوحاً.

رافد للسياحة الثقافية:

إن إنشاء هذا المجمع يمكن أن يمثل إضافة مهمة للمشهد السياحي في مملكة البحرين، خصوصاً أن السائح المعاصر لا يبحث فقط عن الفنادق والمطاعم ومراكز التسوق، وإنما يهتم أيضاً بالتجارب الثقافية التي تكشف له تاريخ المكان وحياة أهله.

ومن هنا يمكن أن يصبح «متحف الهواة الوطني» محطة ضمن المسارات السياحية والثقافية في المملكة، إلى جانب المواقع التاريخية والأثرية والمتاحف والبيوت التراثية والأسواق القديمة.

كما يمكن إدراجه ضمن البرامج السياحية للوفود والزوار والطلبة والباحثين، ليكون نافذة يتعرف من خلالها الزائر على البحرين من خلال حياة أهلها ومقتنياتهم اليومية، وليس فقط من خلال الكتب والصور.

- امتداد للرؤية الوطنية في حفظ التراث:

ويكتسب هذا المقترح أهمية أكبر إذا نظرنا إليه باعتباره امتداداً للجهود الوطنية في المحافظة على التراث البحريني، وفي مقدمتها الاهتمام الملكي بحفظ المعالم والبيوت التراثية في مدينة المحرق وإبراز قيمتها التاريخية والثقافية.

فالمحافظة على التراث لا ينبغي أن تقتصر على المباني والمواقع، بل يجب أن تمتد إلى المقتنيات التي كانت جزءاً من حياة الإنسان داخل هذه البيوت والأحياء والمجتمعات.

ومن هنا يمكن أن يشكل «متحف الهواة الوطني» حلقة مكملة لمنظومة الحفاظ على التراث؛ فالمبنى يحكي تاريخ المكان، والمقتنى يحكي تفاصيل حياة الإنسان الذي عاش فيه.

- مشروع يستحق الدراسة:

إن فكرة «متحف الهواة الوطني» تستحق الدراسة من الجهات الرسمية المعنية بالتراث والثقافة والسياحة، مع إمكانية البدء بدراسة حصر أصحاب المتاحف والمجموعات التراثية الخاصة في المملكة، والتعرف على طبيعة مقتنياتهم وحجمها واحتياجاتها، ثم وضع تصور قانوني وإداري ومالي للمشروع.

وقد يكون من المناسب كذلك تشكيل لجنة متخصصة تضم ممثلين عن الجهات الحكومية المعنية، وأصحاب المتاحف الخاصة، والباحثين في التاريخ والتراث من خارج المؤسسة الرسمية، لوضع تصور متكامل يضمن نجاح المشروع ويحافظ على حقوق أصحاب المجموعات.

إن ما جمعه هؤلاء الهواة خلال عقود من الزمن ليس مجرد مقتنيات شخصية؛ إنه جزء من ذاكرة مملكة البحرين. وحمايته داخل الوطن مسؤولية ثقافية مشتركة، لأن ما قد يبدو اليوم قطعة قديمة أو أداة بسيطة، قد يصبح غداً وثيقة مهمة تساعد الباحثين والأجيال القادمة على فهم كيف عاش الآباء والأجداد.

إن «متحف الهواة الوطني» يمكن أن يكون أكثر من مجمع للمتاحف؛ يمكن أن يكون بيتاً جامعاً لذاكرة مملكة البحرين، ومكاناً تلتقي فيه جهود الدولة مع جهود المواطنين، وتتحول فيه الهواية الفردية إلى عمل وطني يخدم الثقافة والتراث والسياحة، ويحفظ للأجيال القادمة شيئاً من حياة الأجداد لا يُقدّر بثمن.