من عجائب الأيديولوجيا أنها تُبصِّر صاحبَها بعيب خصمه، ثم تُعميه عن عيب حليفه؛ فيستعظم الزلّة إذا صدرت من عدوّه، ويستصغر الخطيئة إذا جاءت من رفيقه، حتى يغدو المبدأ ميزاناً على غيره، وعذراً لنفسه. وهنا يبدأ الخلل: حين تتحول الخصومة من موقفٍ إلى عقيدة، والتحالف من وسيلةٍ إلى غاية، فيصير عدوُّ العدو صديقاً، ولو كان في فكره نقيضاً، وفي منهجه خصيماً، وفي مآله خطراً مستطيراً.

وليس في أن يلتقي المختلفون عجب؛ فالسياسة تجمع عند الحاجة ما فرّقته العقيدة، وتدني عند المصلحة ما باعدته الفكرة، ولكن العجب أن تُنسى الأصول لبقاء الخصومة، وأن يُلبس الهوى ثوب الرأي، وتُكسى العصبية رداء المبدأ، فيصبح العداء بصيرة، والتناقض كياسة.

ومن هذا الباب خرج وصفٌ شديد الإصابة: «الحمقى النافعون (useful idiots)»؛ أولئك الذين لا ينقصهم الحماس، ولكن تنقصهم البصيرة، ولا يعوزهم الصوت، ولكن يعوزهم تقدير العاقبة. يظنون أنهم يستعملون غيرهم فإذا هم المستعملون، ويحسبون أنهم يمهّدون لفكرتهم فإذا هم يمهّدون لفكرة سواهم؛ يهبون الحليف لساناً ينطق به، وكتفاً يصعد عليه، وباباً يعبر منه، ثم يستغني عن اللسان والكتف والباب متى صار هو صاحب الدار.

وللتاريخ في إيران شاهدٌ بالغ الدلالة؛ ففي عام 1979 رأى حزب «توده» الشيوعي في الثورة وفي الخميني حليفاً على الشاه وخصماً للولايات المتحدة، فصافح الأحمر مشروعاً دينياً لا يلتقي معه في أصلٍ ولا فصل، ولا في تصور الدولة ولا في موضع الدين من السياسة. هتفوا لمن سيقمعهم، ومهّدوا لمن سيطاردهم، وأعانوا على تثبيت نظامٍ لم يكن يرى فيهم شركاء غد، بل أدوات يوم. فلما استقام لنظام ولاية الفقيه سلطانه، وانقضت حاجته إلى الرفيق المؤقت، انقلب التحالف ملاحقة، والمساندة مطاردة، والصحبة محنة؛ فاعتُقل القادة، وضُرب التنظيم، وحُظر الحزب. ظنوا أنهم أمسكوا بطرف الحبل، وما علموا أن الطرف الآخر كان ملتفّاً حول أعناقهم.

ولم تكن إيران خاتمة الحكاية؛ فحين سقط الاتحاد السوفيتي لم يسقط جدار برلين وحده، بل سقط معه وهمٌ طويل بأن الشعار يغني عن الاقتصاد، وأن الحزب يقوم مقام المجتمع، وأن القبضة تنشئ القناعة، وأن النظرية إذا أخطأها الواقع وجب تأديب الواقع لا مراجعة النظرية. غير أن الأفكار لا تُدفن بسقوط دولها؛ فقد ينهزم الفكر في الميدان ثم يعود في اللسان. وهكذا لم يخرج بعض اليسار الراديكالي من عباءة الأممية القديمة وقد برئ من علتها، بل بدّل الاسم ولم يبدّل العلّة؛ فخفت حديث الطبقة، واشتد حديث الهوية، وتراجع وعد الثورة، وتقدّم خطاب المظلومية.

وهناك لقي الأحمر أخضرين، لكل ساحة دلالته ومقامه. ففي الشرق لقي أحمر اليسار، بما بقي فيه من إرثٍ اشتراكي شيوعي وخصومة أممية، أخضرَ حراكٍ ثيوقراطي مؤدلج يستتر بالإسلام وسيلةً للنفاذ، ويتخذ من الدين شعاراً للمصلحة، ومن المظلومية خطاباً للحشد، ومن العداء المشترك جسراً إلى التمكين. وفي الغرب لقي الأحمر الاشتراكي أخضر البيئة والمناخ والسلام والحقوق الاجتماعية، وما يتصل بها من أحزاب وحركات وتجمعات سياسية لا صلة لها بحركة دينية أو مشروع ثيوقراطي، ولكنها تلتقي معه في حاجة السياسة إلى التحالف حين يعجز كل طرف منفرداً عن العبور إلى السلطة.

ومن هنا جاء وصف «التحالف الأحمر–الأخضر» ذا وجهين؛ لا زواج أفكار، بل تزاوج أدوار، ولا وحدة عقيدة، بل وحدة عداوة أو مصلحة، ولا صحبة مصير، بل صحبة مسير إلى أن يبلغ أحدهما غايته. فالأحمر لا يعبر وحده، والأخضر لا يبلغ منفرداً، فيلتقيان على جسرٍ لا تشيده المحبة، بل تبنيه الحاجة، وتدعمه الخصومة، وتحرسه حسابات الطريق.

وهنا تُختبر الأفكار لا بما ترفعه من رايات، بل بما تنتهي إليه من غايات؛ فالحرية التي تُستدعى عند الخصومة وتُستبعد عند الحليف ليست حرية، والعدالة التي تُوزن بالأسماء لا بالأفعال ليست عدالة، والمبدأ الذي يثبت في الخطب ويسقط عند المصالح ليس مبدأ، بل شعار يُرفع حين ينفع ويُطوى حين يُكلّف. وتلك آفة الحمقى النافعين: يظنون أنهم يُحسنون استعمال الحليف فيما هو يُحسن استعمالهم؛ حتى إذا بلغ غايته انفضّ الجمع، وسقط القناع، وانكشف الخداع. ومن ظنّ أنه يمتطي المشروع، قد يكتشف في آخر الطريق أن المشروع هو الذي امتطاه.