يمثل افتتاح دور الانعقاد الخامس من الفصل التشريعي السادس لمجلسي الشورى والنواب محطة وطنية ودستورية مهمة في مسيرة مملكة البحرين، تتجدد معها مسؤولية العمل التشريعي والرقابي، وتتواصل من خلالها مسيرة البناء المؤسسي وتعزيز التكامل بين مؤسسات الدولة. ومع تفضّل حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، بافتتاح دور الانعقاد الخامس في الحادي عشر من أكتوبر 2026، بحضور صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، تتجدد أهمية الدور الذي تضطلع به السلطة التشريعية في مواكبة متطلبات المرحلة، والبناء على ما تحقق من خبرات ومكتسبات، ومواصلة العمل بما يخدم الوطن والمواطن.
وقد صدر الأمر الملكي رقم (13) لسنة 2026 بمد الفصل التشريعي السادس لمجلسي الشورى والنواب لمدة سنة، استناداً إلى المادة (58) من الدستور، وللضرورة في ظل الظروف الراهنة وما خلفته من آثار. ويؤكد هذا القرار أهمية استمرارية العمل المؤسسي والتشريعي، ويتيح للمجلسين مواصلة أداء مسؤولياتهما الوطنية ضمن الإطار الدستوري المنظم لعملهما. كما يعكس حرص القيادة على استقرار المسار المؤسسي وضمان استمرارية العمل البرلماني، بما يتيح استكمال الموضوعات المطروحة ومواصلة دراسة القضايا ذات الصلة بمصالح الوطن والمواطنين. ومن هذا المنطلق، تكتسب المرحلة المقبلة أهمية خاصة في البناء على الخبرات المتراكمة، وتعزيز جودة العمل التشريعي والرقابي، وترسيخ الممارسة المسؤولة التي تضع المصلحة الوطنية في مقدمة الأولويات.
ويأتي دور الانعقاد الخامس امتداداً لمسيرة برلمانية تراكمت خلالها الخبرات والممارسات، وفرصة لمواصلة تطوير الأداء واستكمال الملفات ذات الأولوية، وتعزيز جودة التشريعات والأدوات الرقابية. فالتشريع مسؤولية وطنية تتطلب قراءة دقيقة للواقع، واستشرافاً للمستقبل، وتحقيق التوازن بين متطلبات المرحلة والمحافظة على المكتسبات الوطنية. وتبرز أهمية هذا الدور في قدرة المجلسين على دراسة الموضوعات المطروحة بعمق، ومناقشة مختلف الآراء، والاستفادة من الخبرات المتخصصة، بما يدعم الوصول إلى مخرجات تشريعية ورقابية تستجيب للاحتياجات الفعلية للمجتمع، وتواكب التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية.
وفي هذه المنظومة الوطنية، يبرز دور صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، في قيادة العمل الحكومي ومتابعة برامجه ومبادراته، وتعزيز التنسيق بين مؤسسات الدولة، وتحويل الرؤى الوطنية إلى خطط ومشروعات وسياسات تخدم مسيرة التنمية. ويشكّل التكامل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية ركيزة مهمة في العمل الوطني، من خلال احترام الاختصاصات الدستورية، وتبادل الرؤى والخبرات، والتنسيق المسؤول حول القضايا ذات الأولوية. ويمنح هذا التكامل العمل المؤسسي مساحة أوسع لتحقيق أهدافه، ويعزز كفاءة الأداء، ويدعم الجهود الرامية إلى تحقيق تطلعات المواطنين والمحافظة على المكتسبات الوطنية.
وإلى جانب الأبعاد الدستورية والوطنية لهذه المناسبة، تقف منظومة تنظيمية متكاملة وراء مراسم الافتتاح، تعكس حجم العمل المؤسسي الذي يسبق هذه اللحظة الرسمية. ومن واقع تجربة امتدت واحداً وعشرين عاماً في الأمانة العامة لمجلس الشورى، عايشت خلالها تفاصيل العمل البرلماني والمؤسسي، وشاركت في الاجتماعات التنظيمية والتنسيقية المرتبطة بافتتاح أدوار الانعقاد، أدرك حجم الجهد الذي تتطلبه هذه المناسبة، وما تستلزمه من تخطيط ومتابعة وتنسيق بين الأمانتين العامتين لمجلسي الشورى والنواب، بالتعاون مع الديوان الملكي والمراسم الملكية والجهات الرسمية المعنية. فنجاح الافتتاح في صورته النهائية هو ثمرة استعداد مبكر، وتوزيع واضح للمسؤوليات، ومتابعة دقيقة للتفاصيل، وتعاون بين فرق العمل المختلفة، بما يضمن ظهور المناسبة بالصورة التي تليق بمكانتها الوطنية والدستورية.
وقد علمتني سنوات العمل في مجلس الشورى أن البروتوكول يتجاوز الترتيبات الشكلية، فهو جزء من الثقافة المؤسسية للدولة، وأحد المظاهر التي تعكس مستوى التنظيم والاحترافية والالتزام. فالدقة في المواعيد، واحترام التسلسل البروتوكولي، والانضباط في الإجراءات، والتنسيق بين الجهات، عناصر تتكامل في إنجاح المناسبات الرسمية. وكثير من هذه الجهود يبقى بعيداً عن الأضواء، لكنه يشكّل أساساً لنجاح المشهد النهائي، ويؤكد أن العمل المؤسسي المُتقن يقوم على تفاصيل دقيقة، تظهر نتائجها في جودة التنظيم والصورة العامة. كما أن الخبرة المتراكمة في تنظيم هذه المناسبات تمثل رصيداً مهنياً مهماً، يسهم في تطوير الممارسات والمحافظة على المعرفة المؤسسية ونقلها إلى الأجيال الجديدة من العاملين.
ومن هذه الخبرة يتصل موضوع التنظيم بأهمية الذاكرة المؤسسية، التي تحفظ تاريخ المؤسسات، وتوثق مراحل تطورها، وتتيح الاستفادة من التجارب السابقة في تطوير العمل مستقبلاً. وقد امتد اهتمامي خلال مسيرتي البرلمانية إلى التوثيق وحفظ جانب من الذاكرة البرلمانية لمملكة البحرين، ومن ثمار هذه التجربة إصدار كتابي «مجلس الشورى: عشرون عاماً من الحصاد»، الذي يوثّق مرحلة مهمة من مسيرة مجلس الشورى خلال الفترة من 2002 إلى 2022، ويرصد جوانب من تطور الحياة البرلمانية في المملكة، وما شهدته من تراكم في الخبرات والممارسات والإنجازات.
ويجمع الكتاب بين التوثيق والتحليل والبيانات، ويتناول تطور الحياة البرلمانية، وتركيبة عضوية مجلس الشورى، وإنجازاته التشريعية والبرلمانية، ودبلوماسيته البرلمانية، ودور الأمانة العامة بوصفها الجهاز المساند للمجلس في أداء اختصاصاته، إلى جانب مجموعة من الملاحق والوثائق والخطب الملكية والأوامر والقرارات ذات الصلة بالعمل البرلماني. وتكمن أهمية هذه الإصدارات في تحويل الخبرات الممتدة إلى معرفة موثقة ومرجع يستفيد منه الباحثون والمهتمون والأجيال الجديدة، بما يعزّز الوعي بتاريخ المؤسسة وتطور أدائها. فالذاكرة المؤسسية عنصر من عناصر استدامة العمل، وجسر يصل بين خبرات الماضي ومتطلبات الحاضر وتطلعات المستقبل.
وبعد انتهاء مراسم الافتتاح، تبدأ مرحلة العمل الفعلي، إذ يواصل مجلسا الشورى والنواب ممارسة اختصاصاتهما الدستورية والتشريعية والرقابية وفق الدستور واللوائح الداخلية، من خلال دراسة مشروعات القوانين والموضوعات المطروحة، ومناقشة القضايا الوطنية، وممارسة الأدوات الرقابية. وهنا تتجلى أهمية الانتقال من رمزية المناسبة إلى الأداء العملي، ومن تحديد الأولويات إلى معالجتها من خلال عمل مسؤول يستند إلى الدراسة والحوار، ويستفيد من الآراء والخبرات المتنوعة، ويضع المصلحة الوطنية واحتياجات المواطنين في مقدمة اهتماماته.
وتتكامل عناصر هذه المناسبة في صورة واحدة تجمع الرعاية الملكية السامية، والمسؤولية الدستورية، والجاهزية التنظيمية، والخبرات المهنية، والعمل التشريعي والرقابي. ويعزّز هذا التكامل أهمية المحافظة على المعرفة المتراكمة، وتطوير الممارسات المؤسسية، والاستفادة من التجارب السابقة في التعامل مع القضايا الوطنية. كما يؤكد أن العمل البرلماني منظومة متكاملة تتداخل فيها مسؤولية الأعضاء مع جهود الأمانتين العامتين والجهات المساندة، في إطار من الالتزام الدستوري والتعاون المؤسسي واحترام الاختصاصات.
إن دور الانعقاد الخامس من الفصل التشريعي السادس يستند إلى خبرة الأدوار السابقة وما راكمته من تجارب وممارسات، ويمنح السلطة التشريعية فرصة لمواصلة تطوير أدائها، وتعزيز فاعلية أدواتها، ودراسة القضايا التي تمس حياة المواطنين. وتواصل مملكة البحرين مسيرتها التنموية من خلال تكامل أدوار مؤسسات الدولة، وتراكم الخبرات الوطنية، والمحافظة على المكتسبات، وتطوير الممارسات التي تعزز كفاءة الأداء وجودة الإنجاز. ومع كل دور انعقاد، تتجدد مسؤولية البناء على ما تحقق، وتبرز أهمية العمل بروح وطنية واعية، تستند إلى الخبرة وتستشرف المستقبل، وتجعل مصلحة مملكة البحرين والمواطن محوراً للخطط والبرامج الوطنية.
وهكذا يأتي افتتاح دور الانعقاد الخامس مرحلة جديدة في مسيرة تشريعية متجددة، تستند إلى خبرة ما مضى وتستشرف ما هو آتٍ؛ قيادة ترعى مسيرة الوطن، ومؤسسات تعمل بتكامل ومسؤولية، وخبرات تحفظها الذاكرة المؤسسية، وسلطة تشريعية تواصل أداء اختصاصاتها الدستورية بما يخدم المصلحة الوطنية. وتبقى قيمة هذه المسيرة في قدرتها على تحويل الأولويات إلى إنجازات، والخبرات إلى معرفة مستدامة، والمسؤولية إلى أثر ملموس يعزّز مسيرة مملكة البحرين نحو مستقبل أكثر تطوراً واستدامة، يكون فيه المواطن محور العمل، وتظل فيه المؤسسات الدستورية شريكاً أساسياً في البناء الوطني.
* مستشار إعلامي وعلاقات مؤسسية