مع دخول شهر أكتوبر، يبدأ سكان البحرين عادةً بترقب انحسار حرارة الصيف، وانخفاض الرطوبة، وعودة الأجواء اللطيفة، خصوصاً خلال الليل وساعات الصباح الأولى. ولكن يبدو أن أكتوبر 2026 يطرح سؤالاً مناخياً مهماً، وهو هل نشهد خريفاً متأخراً هذا العام؟ وهل لظاهرة النينيو المتصاعدة في المحيط الهادئ علاقة باستمرار الأجواء الحارة في البحرين والخليج العربي؟

- أكتوبر بين الصيف والخريف:

يُعد أكتوبر شهراً انتقالياً في مناخ البحرين، إذ تبدأ فيه درجات الحرارة بالانخفاض التدريجي، وتتراجع شدة الإشعاع الشمسي، ويقصر النهار بنحو 35 إلى 40 دقيقة خلال الشهر، كما تنخفض زاوية ارتفاع الشمس عند الظهيرة من نحو 61 ° في بداية أكتوبر إلى قرابة 50 ° في نهايته، أي يطول فيء الظهر والضحى والعصر.

ومن الناحية الفيزيائية، فإن انخفاض ارتفاع الشمس يؤدي إلى توزيع الطاقة الشمسية على مساحة أكبر من سطح الأرض، فضلاً عن عبور أشعتها مسافة أطول نسبياً في الغلاف الجوي، مما يقلل الطاقة الواصلة إلى وحدة المساحة، ولكن انخفاض الإشعاع الشمسي لا يعني بالضرورة انخفاضاً فورياً في درجات الحرارة؛ فالأرض والبحر يحتفظان بجزء من الطاقة الحرارية المكتسبة خلال أشهر الصيف، ويستغرق التخلص منها عدة أسابيع.

- هل بدأ أكتوبر 2026 أكثر حرارة من المعتاد؟

تشير البيانات الجوية الأولية المتاحة للأيام الستة الأولى من أكتوبر 2026 في محطة البحرين إلى استمرار الأجواء الحارة، حيث تراوحت درجات الحرارة العظمى اليومية تقريباً بين 35.6 ° و40.5 °م، وسُجلت أعلى قيمة في الثالث من أكتوبر. وتشير هذه القراءات إلى أن بداية الشهر كانت حارة مقارنة بالظروف الخريفية المنتظرة، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على الشهر بأكمله.

وتُظهر التوقعات القصيرة المدى استمرار درجات الحرارة العظمى قرب 35°–37°م خلال الفترة من 10 إلى 16 أكتوبر، مما يعني أن مظاهر الصيف قد تستمر خلال النصف الأول من الشهر.

- لماذا تستمر الرطوبة رغم انخفاض حرارة الشمس؟

تكمن الإجابة في بحر الخليج العربي، الذي يمثل مخزناً حرارياً ضخماً، فالمياه تسخن وتبرد ببطء مقارنة باليابسة بسبب سعتها الحرارية العالية وعمليات الخلط داخلها، ومياه الخليج تحتاج – كما يحتاج الإنسان- إلى تبريد نفسها بالتبخير "يشبه التعرق" فعندما يتبخر 1 كيلوجرام من الماء، فإنه يسحب نحو 2.4 ميجاجول من الطاقة الحرارية "تعادل الطاقة الناتجة من سقوط 2.4 مليون تفاحة من ارتفاع 1 متر"، لذلك فإن التبخر يعمل على تبريد سطح البحر، حتى عندما يزيد ملوحته، وعندما تبقى مياه الخليج دافئة خلال أكتوبر، يستمر تبخر الماء وانتقال بخاره إلى الهواء القريب من سطح البحر، وإذا هبت الرياح الشرقية أو الجنوبية الشرقية باتجاه البحرين، فإنها تحمل معها هواءً رطباً قد يسبب الشعور بالحرارة والضيق حتى مع انخفاض درجة حرارة الهواء. كما يمكن أن تتشكل ظاهرة الضباب أو الضباب الخفيف خلال ساعات الفجر، عندما تنخفض درجة حرارة الهواء إلى نقطة الندى، خصوصاً مع ضعف الرياح وارتفاع الرطوبة. وهنا تظهر مفارقة مناخية مثيرة، فقد تصبح الشمس أقل قوة، بينما يظل الإحساس بالحرارة مرتفعاً بسبب الرطوبة والطاقة الحرارية المختزنة في مياه الخليج.

- النينيو 2026: ماذا يحدث في المحيط الهادئ؟

في الثامن من أكتوبر 2026، أعلنت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن ظاهرة النينيو تتعزز بصورة ملحوظة، مع توقع وصولها إلى ذروتها قرب ديسمبر المقبل. وتشير توقعات المنظمة إلى احتمال وصول متوسط الشذوذ الحراري لسطح البحر في منطقة «نينيو 3.4» إلى نحو 3.7 °م فوق المعدل المرجعي خلال الفترة من أكتوبر إلى ديسمبر 2026، وهو مستوى استثنائي إذا تحقق.

وتحدث ظاهرة النينيو عندما ترتفع حرارة المياه السطحية في وسط وشرق المحيط الهادئ الاستوائي، بالتزامن مع تغيرات في الرياح التجارية والدوران الجوي. والأمر المهم أن تأثير النينيو لا يقتصر على المحيط الهادئ، بل يمكن أن يمتد إلى مناطق بعيدة عبر ما يُعرف بالترابطات المناخية بعيدة المدى. للعلم، فإن النينيو في المحيط الهادئ ليست مجرد ارتفاع في درجة حرارة المياه، بل هي ظاهرة اقتران بين المحيط والغلاف الجوي تشمل تغير الرياح التجارية، وتوزيع المياه الدافئة، والتيارات البحرية، والضغط الجوي، ومناطق الحمل الحراري.

- كيف يمكن أن تؤثر النينيو في طقس البحرين؟

تبدأ السلسلة الفيزيائية بارتفاع حرارة مياه المحيط الهادئ، مما يغير توزيع الحمل الحراري ومناطق صعود الهواء وهبوطه في المناطق الاستوائية، وتؤدي هذه التغيرات إلى تعديل توزيع الضغط الجوي وحركة الرياح في طبقات الجو العليا، وقد تؤثر في التيارات النفاثة وموجات روسبي التي تتحكم في انتقال المنخفضات والمرتفعات الجوية، وعندما تتغير مسارات هذه الأنظمة، يمكن أن تتبدل أنماط الحرارة والأمطار في مناطق بعيدة، ومنها أجزاء من الشرق الأوسط.

من الضروري التأكيد ها هنا أن العلاقة بين النينيو ومناخ البحرين ليست مباشرة أو حتمية؛ فالنينيو لا تعني بالضرورة أن البحرين ستشهد خريفاً حاراً أو شتاءً ممطراً. علميا، تدخل في تحديد الحالة الجوية عوامل أخرى، منها حرارة الخليج العربي، وحرارة بحر العرب، وثنائية القطب في المحيط الهندي، وتوزيع الضغط الجوي فوق شبه الجزيرة العربية.

هل تتأخر الأمطار الخريفية أيضاً؟

تبدأ الفترة المناخية الممطرة في البحرين عادةً خلال أكتوبر، وتمتد حتى مايو، وإن كانت الأمطار في بداية الموسم قليلة وغير منتظمة. وتوضح بيانات الأرصاد الجوية البحرينية أن المعدل السنوي للأمطار يبلغ نحو 71 ملليمتراً، مع تباين كبير بين سنة وأخرى، وأكثر هطول يومي في اكتوبر كان 11.6 ملم ، وكان في 22 نوفمبر 2018، وأكثر هطول لمتوسط شهري كان 19.9 ملم ، وكان في عام 2018. إن تشكل الأمطار الرعدية يتطلب توافر الرطوبة وعدم الاستقرار الجوي وآلية لرفع الهواء، مثل تقارب الرياح أو مرور أخدود علوي بارد.

- هل أصبح الخريف يتأخر بسبب تغير المناخ؟

من المهم التمييز بين ثلاثة أمور: الانتقال الفلكي إلى الخريف، والانتقال المناخي الموسمي، والاحترار العالمي؛ فالخريف الفلكي بدأ في النصف الشمالي من الكرة الأرضية في سبتمبر، ولا يمكن لظاهرة النينيو أن تؤخر موعده أما الخريف المناخي، الذي يشعر به الإنسان من خلال انخفاض الحرارة وتحسن الأجواء، فقد يتأخر الإحساس به نتيجة استمرار درجات الحرارة المرتفعة.

ويؤدي الاحترار العالمي إلى رفع المستوى الأساسي لدرجات الحرارة، بينما تضيف ظواهر طبيعية مثل النينيو تقلبات مناخية مؤقتة. وعندما تتزامن هذه العوامل مع حرارة المياه الإقليمية، فقد تستمر الأجواء الحارة فترة أطول من المعتاد، ومع ذلك، فإن إثبات تأخر الخريف مناخياً يتطلب تحليل سجلات طويلة لدرجات الحرارة والرطوبة، وليس الاعتماد على شهر واحد.

- الخلاصة: متى نشعر بتعدل الجو في البحرين؟

تشير المعطيات الحالية إلى أن البحرين قد تستمر في مواجهة أجواء حارة ورطبة خلال جزء مهم من أكتوبر 2026، على أن يتحسن الطقس تدريجياً مع انخفاض الإشعاع الشمسي وتراجع الطاقة الحرارية المختزنة في اليابسة والبحر، وبحسب التراث الفلكي الجوي "الطوالع والمواسم" فإن اكتوبر يضم طالع الصرفة "13 يوما"، وهو نجم يمثل نقطة تصريف الفضلات في برج الأسد، ويليه طالع العواء "13 يوما" ثم يليه السماك "13 يوما"، وبضعة أيام من طالع السماك، وموسم الوسم يبدأ في 16 اكتوبر ومدته 52 يوما، وهي فترة الجو الجميل المرتقب؛ فاشتداد النينيو يمثل عاملاً مناخياً عالمياً يستحق المتابعة، لكنه ليس تفسيراً كافياً بمفرده لاستمرار الحرارة في البحرين.

* أستاذ الفيزياء التطبيقية