«الثوب رقعته منه وفيه»، يقولها أهلنا، وفي قولهم حكمةٌ تتجاوز الثوب إلى تدبير الحياة، فقد يكون عند الجار ما ينقصنا، وعندنا ما يحتاجه، وفي الخليج أيدٍ ماهرة، وخبراتٌ متراكمة، ومواردُ تنتظر أن نحسن وصلها ببعضها، بهذا المعنى أقرأ معرض «صُنع في الخليج»: فرصةً لنعرف ما نملك، ونمنح أبناءنا نصيباً في صناعة المستقبل.

احتضنت البحرين النسخة الأولى من المنتدى والمعرض من السادس إلى الثامن من أكتوبر، بمشاركة نحو مئة وخمسين شركة، وراء كل جناح احتمالٌ لشراكة، ووراء كل منتج أناسٌ تعلموا وجرّبوا وخاطروا، وينتظرون أن يجد جهدهم طريقه إلى سوقٍ أوسع.

وتمنح الرعاية الملكية السامية من حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، ومباركة قادة دول مجلس التعاون الخليجي، الحدث دلالته المستقبلية، وأقرأ هذا الاهتمام باعتباره وعياً بأن الرخاء يحتاج إلى ما يسنده؛ إلى صناعةٍ تجدد موارد الدخل، ومعرفةٍ تتراكم، وقدرةٍ إنتاجية تمنح دولنا خياراتٍ أوسع.

وتكشف التجارب القريبة بعض ما تستطيع هذه اللقاءات تحريكه، ففي معرض «صُنع في السعودية» عام 2023، وقّعت هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية 12 اتفاقية شملت توطين الصناعة ونقل المعرفة وشراكات استراتيجية، وقدّرت أثرها المرتقب على الناتج المحلي بأكثر من 500 مليون ريال.

وفي «صنع في الإمارات» عام 2025، وُقّعت اتفاقات شراء جديدة بقيمة 7.8 مليارات درهم، وأفادت وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة بأن معرض التوظيف ساعد على إلحاق 2500 مواطن بالقطاع الخاص ضمن حصيلة التجربة الأوسع، خلف الرقم بيوتٌ وصلها خبرٌ طيب، وشبابٌ وجدوا لمهاراتهم مكاناً.

وللبحرين أن تستفيد من التجربتين مع اختلاف الأسواق، فتنظيم وزارة الصناعة والتجارة بالتعاون مع الأمانة العامة لمجلس التعاون يتيح جمع المصنع والمستثمر وصاحب التقنية، وهنا يظهر عمق الرؤية الفنية: تحديد الاحتياجات، وربط المواد الخام بالتصنيع، وفتح سلاسل التوريد أمام المؤسسات الصغيرة، حتى يتحول التعارف إلى إنتاجٍ يستمر.

وحكمة الثوب تحمل شرطاً: أن تلائم الرقعة موضعها اقتصادياً، يعني ذلك معرفة ما تتقنه كل دولة وما يحتاجه السوق؛ فتتكامل الصناعات وتتوزع الأدوار.

وتستحق جهود البحرين التقدير: بنيةٌ تستقبل، ومؤسساتٌ تنسق، وفرقٌ تنظم، وشركاتٌ تشارك، ويكتمل الحرص القيادي والمؤسسي على نجاح الفكرة بمتابعة العقود والإنتاج وانتقال المعرفة، وإعلان النتائج، حتى يمتد أثر الاستضافة إلى الخليج كله.

تبدأ الحكاية من «الثوب رقعته منه وفيه»، حين نجد لدى بعضنا ما نحتاجه، وتكتمل بـ«دهنا في مكبّتنا»، حين تعود الثمرة إلى أهل الخليج: عملاً لشبابه، وفرصاً لمؤسساته، ومنتجاتٍ تسند حياته، وبين حكمتي أهلنا مسؤوليةٌ تستحق العمل: أن نجمع قدراتنا، فيكبر خيرنا، ويصل أثره إلى بيوتنا.

* إعلامية وباحثة أكاديمية